الشحات اللى طلب ايدى حكايات زهرة الربيع

لمحة نيوز

كل ما يجيلنا عريس طالب الجواز كان يتقدم لأختي الصغيرة، لحد ما الشحات اللي تحت بيتنا طلب إيدي للجواز وكان أول واحد يجي عشاني، أختي وقتها مقدرتش تمسك نفسها من الضحك، بس اللي عمله معاها يوم كتب الكتاب خلاها لطمت خدودها ووقعت من طولها من الصدمة؟!

من سنين طويلة، أبويا اتصاب بالشلل النصفي وفقد القدرة على الحركة، والست اللي اتجوزها على أمي سابته وجريت من أول محنة، وراحت اتجوزت غيره ولا كأنها تعرفه. وقتها أبويا ندم أشد الندم، ورجع لأمي الغلبانة اللي استقبلته بصدر رحب، وهي وأنا فضلنا معاه مسبناهوش لحظة. بس للأسف، طليقته سابت لنا بنتها "هدير" – أختي من أبويا – كانت عايشة معانا في البيت باعتبار إنه بيت أبوها.

هدير كانت بنت بتاعة مظاهر وبس... كل قرش يجي في إيدها، سواء من مصروف أو مساعدة، كانت تصرفه على الكريمات، واللبس، والبرفانات الغالية، وعايشة في البيت "آكلة وشاربه ونايمة ومرتاحة"، لا بتساعد أمها العيانة ولا بتخدم أبويا طريح الفراش ولا بتقدم أي حاجة للبيت. أما أنا؟ فكنت بشتغل من الصبح لليل، خياطة في مشغل، عشان أجيب دوا أبويا ولقمة عيشنا، وطول عمري مستحملة وقايلة معلش بكرة تهون.

بس اللي كان يوجع أكتر هو نظرة الناس ليا.. لأني قربت أتم الأربعين سنة ومفيش عريس واحد اتقدملي، بقت كل الناس شايفاني ماليش قيمة.. واحدة عانس هتفضل لازقة لأهلها طول العمر. كان كل ما عريس يتقدم الكل بيبقى عارف إنه جاي طبعاً لهدير.. كل الشباب بينبهروا بجمالها ويجوا يطلبوها بالاسم، وهي! كانت ترفضهم كلهم وتقول بكل غرور: "لسه بدري عليا". وكل ما عريس يمشي، تبص لي باستهزاء وتقول: "معلش يا نبيلة، بختك قليل، ابقي تعالي جربي حظك المرة الجاية".

يوم ورا يوم، وسنة ورا سنة، وكلامها كان بينغز قلبي زي السكاكين، وكنت بسكت وأبلع عشان خاطر أمي وأبويا وما أعملش مشاكل.. لحد اليوم اللي غير مجرى حياتي كلها.

كنت قاعدة في الصالة بصلح هدوم قديمة، وفجأة خبط الباب. فتحت، فلقيت قدامي شاب في الأربعين، وشه متبهدل، وملابسه مقطوعة باينة عليه قلة الحيلة والتعب. الشاب ده أنا كنت عارفاه كويس، كان بيقف كل يوم تحت البيت يمد إيده للناس ويتسول عشان يأكل ويشرب، وأنا كنت دايماً أشفق عليه، وكل ما أنزل أجيب طلبات، كنت أديله اللي فيه النصيب. لقيته بيبص في الأرض باحترام شديد وقال بصوت واطي: – "ممكن أكلم الحاجة يا ست نبيلة؟ أنا طالب الحلال، وجاي أطلب إيدك."

وقفت متسمرة مكاني مش مصدقة وداني! أنا؟! معقول للدرجة دي وصل بيا الحال إن الشحات اللي واقف تحت البيت يجي يطلبني؟! أمي اتصدمت أكتر مني باللي قاله، وقفت في نص الصالة مش عارفة تنطق حرف واحد. وهنا، خرجت أختي من أوضتها على دوشة الكلام، أول ما سمعت الحكاية وشافت المنظر، انفجرت بضحكة هيستيرية ومقدرتش تمسك نفسها نهائي، وقعدت تخبط وقالت بصوت عالي وهي بتموت من الضحك: – "ههههه! وأنا أقول إنتي بورتي في البيت ليه يا نبيلة ومحدش بيعبرك! اتاريكي كنتي مستنية نصيبك اللي يشرف ده! هههههه شحات الحارة يا نبيلة؟ والله لايقين على بعض أوي!"

أمي اتعصبت جداً وشها احمر من الغضب والخجل، بس مرضتش ترد عليها، لأننا عارفين طبعها كويس؛ أول ما بنكلمها بكلمتين تقعد تعيط وتعمل فيلم درامي وتقول: "علشان أنا قاعدة عندكم بتبهدلوني وتكرهوني في عيشتي"، وتهدد إنها هتمشي ومحدش يعرفلها طريق. أمي بلعت غيظها بصعوبة، وبصت للشاب اللي كان واقف مكسور الخاطر، وقالتله بصوت مرتبك ومتردد: – "طيب يا ابني، احنا هنفكر في الموضوع ونرد عليك."

أول ما الشاب مشي، أختي فضلت تضحك ضحك جنوني وهي داخلة أوضتها وراحت قفلت الباب وراها. أمي قربت مني وبصتلي نظرة مليانة حزن، وقالتلي: – "أنا عارفة إن ده صعب عليكي يا بنتي، ومش هجبرك على حاجة أبداً.. بس فكري كويس. خدي نصيحتي يا حبيبتي، لو اتجوزتيه، يمكن تلحقي لك ستيرة قبل العمر ما يجري بيكي.. وأنا كمان نفسي أطمن عليكِ قبل ما أموت وأسيبك.. عشان خاطري فكري كويس."

سابتني أمي واقفة في الصالة مصدومة، عقلي كان هيطير من كتر التفكير. صدمة كلام أمي، ووجع قلبي من طولة لسان أختي اللي مبتفوتش فرصة إلا وتعايرني إني عانس.. قعدت أفكر مع نفسي ساعات لغاية ما أخدت القرار: أي حاجة أرحم من نظرات الناس ليا! أنا هتجوز الشاب ده.

وفعلاً، تمت الإجراءات بسرعة وبدون دوشة، وعملنا كتب الكتاب على الضيق جوه البيت، مفيش حضور غير أمي وكم خال لينا وقرايب قريبين جداً. جه العريس يوم كتب الكتاب، ودخل الصالة، وكان لابس بدلة قديمة مهلهلة جداً، البنطلون بلون والجاكت بلون تاني خالص مالهمش علاقة فعلاً ببعض، وشكله كان مضحك فعلاً للي يشوفه والكل بقوا يحاولوا ميضحكوش عشاني.

أختي أول ما شافته بالمنظر ده، كالعادة، مقدرتش تسيطر على نفسها، وانفجرت بضحكة عالية وهي بتشاور عليه باستهزاء قدام الكل.. لكن العريس.. بصلها نظرة جامدة غريبة وتقدم ناحيتها بخطوات ثابتة.. واللي عمله بعدها خلى أختي لطمت خدودها ووقعت من طولها من شدة الصدمة، بعد ما كشف لهم عن هويته الحقيقية وأنه كان صاحب ورشة وممتلكات وضاعت بسبب خيانة شريكه وأنه استرد حقه مؤخراً وقام بحجز شقة وأثبت أنه رجل قادر على فتح بيت وحمل المسؤولية بكل أمانة واحترام!

تم نسخ الرابط