قصة كيد النسا
كان فيه راجل طيب عايش مع مراته في أمان الله وهدوء تام، بقالهم سنين وسنين متجوزين وراضيين، بس كان فيه حاجة واحدة ناقصاهم.. ربنا ما رزقهمش بعيال. الراجل كان راضي وصابر ومستكفي بمراته، لكن هي من وقت للتاني كان يدخل في قلبها الحزن، وفي يوم قعدت جنبه وقالت له بقلب ملهوف وبكل هدوء:
"يا راجل.. عيني في عينك كده، مش نفسك تشوف نفسك أب وتفرح بعيل يشيل اسمك؟ اتجوز يا خويا، روح اتجوز واحدة تخلفلك اللي بتتمناه وتسعد قلبك."
بصلها الراجل باستغراب وقالها بعقل ورزانة:
"يا بنت الناس، إحنا عايشين في هدوء وساترها ربنا.. لما أجيب ضرة ليكي، الغيرة هتدخل ما بينكم وهتبدأ المشاكل والخراب، والغيرة بتكسر أي حاجة حلوة."
ضحكت وقالت له بثقة عمياء:
"إنت خايف عليا من إيه؟ ده أنا روحي فيك وبحبك أكتر من روحي! وعمري ما هفكر أأذيك ولا أأذيها.. ده أنا هشيلها في عيني وهعتبرها أختي الصغيرة، وما تقلقش أبداً مفيش خناقة هتحصل بينا بإذن الله."
الراجل ما دخلتش عليه الكلمتين بسهولة، بس مع إصرارها وزنّها قالها:
"ماشي.. هسافر بلد تانية عشان محدش يعرفنا، وهناك هدور على واحدة بعيدة عن أهلك وأهلي عشان أريح بالي وبالك من القيل والقال."
سافر الزوج وغاب له بتاع أسبوعين.. وطول المدة دي كان شغال على خطة محكمة جداً عشان يختبر كلامها ووعدها. راح اشترى زلعة أو جرة فخار كبيرة ومحترمة، وقعد يظبطها؛ لبسها توب قطيفة فخم وطرحة وشال ألوانهم تبهج العين، ولبسها غوايش وسلاسل وحلي كأنها واحدة قاعدة في أبهة، وحطها في أوضة ببيت جانبي قريب من بيتهم من غير ما مراته تحس بأي حاجة. المنظر من بعيد كان يوهم أي حد يشوفها إنها ست حلوة وهادية وقاعدة في مكانها.
رجع الراجل لبيته ورسم على وشه ابتسامة كبيرة وفرحة مرسومة، ودخل على مراته وقالها:
"تسلمي يا غالية على فكرتك.. سمعت كلامك وعملت بيها، واتجوزت ست العرايس، وسايبها مريحة في البيت التاني من تعب السفر."
سابها ونزل يشوف شغله، وأول ما الباب اتقفل وراه، الابتسامة اللي كانت على وش مراته اتبخرت.. نار الغيرة ولعت في قلبها، وقعدت تلف وتدور في الصالة زي المجنونة: "بقى اتجوز بجد؟ وكمان حلوة وسايبها في بيت لوحدها؟!".
فضلت تاكل في نفسها ساعة واتنين وتلاتة، لحد ما ركبتها العفاريت.
وعلى آخر اليوم، دخل الراجل من باب البيت، لقى مراته قاعدة على الأرض بتلطم وتعيط بنحيب وتقطع في هدومها ومقلوبة حالتها! جرى عليها متخض كأنه ميعرفش حاجة وسألها:
"يا ساتر يا رب! مالك يا ولية؟ فيه إيه؟ مين اللي عمل فيكي كده وعيّطك بالحرقة دي كلها؟!"
صرخت وقالت له وهي بتشهق وتمثل الغلب والمسكنة:
"مراتك الجديدة يا فالح! الست الهانم اللي جيبتهالي.. شافتني واعتدت عليا! دخلت عليا البيت وسمعتني من الكلام اللي ما يتقالش، وشتمني ومدت إيدها عليا وضربتني وبهدلتني على كبر! أنا أتهان في بيتي يا راجل؟! كرامتي على المحك، وعزة جلال الله لو ما طلقتها وطردتها دلوقتي حالاً ماليش قعدة معاك!"
الراجل بص لها وهو كاتم ضحكته، ومستعجب من السيناريو المحبوك والدراما اللي ألفتها من أولها لآخرها، فقالها بهدوء:
"حقك عليا يا غالية، وكرامتك عندي فوق دماغي، وأنا أقطع رقبتها ولا إنك تتهاني كده! تعالي معايا دلوقتي حالا تفرجي على اللي هعمله فيها عشان تشفي غليلك وتردي كرامتك."
أخدها من إيدها وراحوا البيت التاني، فتح الباب وهي ماشية وراه تتشجع بيه، لحد ما وقفوا قدام "العروسة" اللي قاعدة مستكينة ومتغطية بالحرير والذهب.
وقف الراجل قدامها ورفع عكازه بكل قوته وعزمه، وهوب.. نزل بيه طاخ على راسها!
وفي لحظة واحدة اتكسرت الجرة لميت حتة، والفخار اتبعثر على الأرض، والهدوم الفخمة وقعت كاشفة التراب والفراغ اللي جواها!
الزوجة اتسمرت مكانها، عينيها فتحت على آخرها من الصدمة، لسانها اتشل والكلمة وقفت في حلقها.. بصت للأرض ولقت "الضرة" عبارة عن حتت شقف فخار مكسورة!
بصلها الزوج بكل برود وحكمة وابتسم وقالها:
"ها يا حبيبتي.. أهي اتأدبت وانكسرت رقبتها.. بس فهميني بقى لله في لله كده: زلعة فخار خرسة مبتقومش من مكانها ولا فيها روح.. جابت رجليها لبيتك إزاي؟ وضربتك وشتمتك بإنهي لسان وإنهي إيد؟! فين بقى وعدك إنك عمرك ما هتغيري؟!"
الست ساعتها نزلت وشها في الأرض ودموعها نزلت من الخجل والكسوف، وقالت له بصوت مبحوح وواطي:
"حقك عليا يا أبو فلان.. اعذرني وسامحني على اللي عملته، الشيطان ركبني والغيرة عمت عيني.. وأتاري المثل القديم كان عنده ألف حق لما قال: الضرة مُرة… ولو كانت جرة!"