سراب الحساسية ومتاهة الأكاذيب
الفصل الأول: الوهم الذي عاش طويلاً
في إحدى الأمسيات الهادئة، كنت أقف في مطبخ شقتنا البسيطة، أنظف كل ركن بعناية شديدة، وأقوم بتعقيم الأسطح والمعالق كأننا نستعد لعملية جراحية دقيقة. كان زوجي، الذي اخترت أن أناديه في سرّي بـ "كريم"، يراقبني بابتسامة هادئة وهو يداعب حقيبته الصغيرة.
- "يا حببتي، مش للدرجادي، دي مجرد حساسية عادية،" قالها بصوت هادئ يبعث على الطمأنينة.
- "عادية إزاية يا كريم؟ أنت بنفسك فهمتني إن أكل أي صنف فيه طحينة أو مكسرات ممكن يدخلك في صدمة مميتة!" رددت عليه وأنا أمسح جبيني بتعب.
منذ اليوم الأول لاسترتباطنا، وقبل أن يتطور بيننا أي شيء جدي، كان كريم واضحاً وحذراً للغاية. أخبرني بلهجة يملؤها الجدية أنه يعاني من حساسية مفرطة ومميتة تجاه نوع معين من المكسرات والبهارات. لم يقف الأمر عند حدود الكلام، بل أرانِي مراراً حقن الإبينفرين التي يحرص على وضع واحدة منها في خزانة المطبخ، وأخرى في درج سيارته، وثالثة لا تفارق حقيبته الشخصية أينما ذهب. حتى أهلي في العزومات العائلية كانوا يحفظون هذا التحذير عن ظهر قلب، ويتجنبون تماماً أي صنف قد يقترب من دائرة الخطر الخاصة به. كنت أراه في نظراته وحذره المبالغ فيه شخصاً يصارع طيف الموت كل يوم، فتعاطفت معه، وتحول هذا التعاطف إلى شعور خفي بالمسؤولية تجاهه.
لكن، ومثل أي قصة تبدو محبوكة بإتقان، كان لابد للستار أن يرتفع يوماً ما لتظهر الحقيقة الصادمة.
الفصل الثاني: ليلة عيد الميلاد والكذبة الكبرى
في نهاية الأسبوع، أقام أخي احتفالاً صغيراً بمناسبة عيد ميلاده، وحرصت زوجة أخي، وهي امرأة مجتهدة وحريصة للغاية، على إعداد وجبات خاصة تناسب الجميع، وتحديداً لتراعي حساسية زوجي وحساسية أحد أطفال العائلة. في نهاية السمانة، أعطتني علبتين من طعام العشاء المتبقي، وخصّصت علبة كريم بغطاء ذي لون مختلف تماماً لتمييزها.
لكن، وكأن الأقدار كانت تشاكسنا، أكل كريم في اليوم التالي من العلبة الأخرى بالخطأ.
في تلك اللحظة بالذات، توقفت أنفاسي. شعرت برعب شلل تفكيري وأنا أتذكر كل قصصه المرعبة عن طفولته، وكيف كان يدخل في نوبات اختناق لمجرد أن معلقة واحدة لمست طعاماً محظوراً. نظرت إليه منتظرةً الأسوأ، وهرعت زوجة أخي التي حضرت مصادفة تبكي وتصرخ من شدة الهلع وهي تندب حظها وتظن أنها قضت عليه.
لكن... لم يحدث شيء!
جلس كريم بكل برود يكمل طعامه، ولم تظهر عليه حتى حبة رمل واحدة من أعراض الحساسية المزعومة. التفتُّ إليه ودموع الرعب تملأ عيني:
- "كريم! أنت أكلت منها! كيف تشعر الآن؟ هل تحس بضيق في التنفس؟ أين الحقنة؟!" نظر إلينا بهدوء غريب، ثم انحنى للأرض والتقط الحقيبة، وبكل برود اعترف بما لم يكن في الحسبان:
- "يا جماعة، اهدوا.. أنا ليس عندي أي حساسية أصلاً."
عمَّ صمت رهيب في المكان. صمت يقطعه فقط صوت الأنفاس المتسارعة. تابع هو بابتسامة صفراء يحاول تبرير الموقف:
- "أنا ببساطة... أكره هذا النوع من الطعام ولا أحب طعمه. عندما دخلت الجامعة، وجدت أن ادعاء وجود حساسية هو أسهل طريقة لكي يبتعد الناس عن إلحاحهم عليّ لأكل شيء لا أريده، وبدل أن أظهر بمظهر الشخص المتدلّع في طعامه، اخترت هذه الكذبة البسيطة، واستمرت معي السنين!"
تلك اللحظة لا تزال محفورة في جسدي كالندبة. حالة الرعب والهستيريا التي عشتها، وخوف زوجة أخي من أن تصبح قاتلة بلا قصد، كل ذلك تبدد ليتحول إلى غيظ وغضب جنوني. كيف لرجل أن يكذب عليّ طوال هذه السنين؟ كيف يفتعل سيناريوهات الرعب والحقن والموت الخادع وهو يتناول ما يشاء سراً وجهراً؟!
الفصل الثالث: قنبلة الأكاذيب المتتالية
بعد أيام من المشاحنات والغضب العارم الذي لم يستطع تبريره، قررنا الخضوع لجلسات علاج زوجي مكثفة. كنت أظن أن كذبة الحساسية هي القاع الأسفل من بئر أکاذيبه، وأننا بعد اعتذاره سنتجاوز الأمر. لكنني كنت مخطئة تماماً؛ فهذه الكذبة لم تكن سوى الفتيل الذي أشعل قنبلة موقوتة كانت تخفي تحتها أرشيفاً كاملاً من الأوهام.
توالت الصدمات في عيادة المعالج النفسي وفي جلسات المواجهة الهادئة:
- كذب وقال إنه حصل على منحة رياضية كبرى للجامعة بسبب تفوقه المذهل، ثم خسرها إثر إصابة خطيرة في ركبته... والحقيقة المرة أنه تقدم للجامعة كأي طالب عادي وحصل على قروض طلابية لتسديد مصاريفه.
- وأقسم مراراً وتكراراً أنه قضى موسماً كاملاً في أبحاث القطب الجنوبي (أنتاركتيكا) قبل أن نلتقي، ليتضح لاحقاً أنه لم يسافر خارج البلاد أصلاً طوال حياته لتلك الأماكن الجليدية!
- وتباهى أمام الجميع بأنه رمّم سيارة كلاسيكية قديمة بيديه وبنفسه، بينما الحقيقة أنه اشترتها جاهزة ومجددة من أحد المعارض، وكان يختلق القصص البطولية عن ساعات تعبه تحت غطاء المحرك!
كانت المليون كذبة الصغيرة والكبيرة تتدفق، وكأننا نعيش داخل مسرحية هزلية بطلها مريض بالوهم وحب الظهور. وسط هذا الركام الهائل من الخداع، كنت أتأكد من تفاصيل أخرى صحيحة: أمه توفيت فعلاً بمرض عضال قبل أن نعرف بعضنا، ووالده كان يعيش في مقاطعة بعيدة ولم يكن حاضراً في طفولته، وهو فعلاً حاصل على شهادة في القانون ويعمل محامياً كفؤاً.
وعندما واجهته مدافعة عن عقلي الذي يكاد يجن، كان رده بكل برود:
- "أنا أكتب لنفسي سيناريو أفضل... أكذب لأشعر أنني شخص عظيم ومميز، وليس لأنني أؤذي أحداً. أنا لا أكذب في الأشياء الكبيرة كغياب أبي أو عملي الحقيقي."
الفصل الرابع: بين مرارة البقاء ومخاوف الشتات
مرت سنة ونصف تقريباً بعد أزمة الحساسية الشهيرة، وهدأت الأمور ظاهرياً. عاد الناس يتعاملون معه طبيعياً رغم سخرية أهلي وأصدقائي الخفية منه ومن عقليته، لكنني كنت أعيش في عالم من الشك المستمر.
كنت أقف طوال الوقت أمام مرآة نفسي أتساءل: هل أنفصل عنه؟ هل أدمر بيتي؟ لكن الإجابة كانت تطل من عيني طفلنا الصغير الذي لم يتجاوز عامه الخامس بعد. أنا وهو ابنا أبوين منفصلين، وعلمتنا قسوة الطفولة وتشتت العائلات أن أبشع ما يمكن أن يرتكبه الأهالي هو حرمان طفلهم من دفء البيت المستقر. أهلي وأصدقائي كانوا يصرخون في وجهي مطالبين بالانفصال الفوري، وكانوا يرون أن العيش مع كذاب مرضي خطورة كبرى، لكنني كنت أحاول بشتى الطرق التمسك بخيوط هذا الزواج المتهالك، ليس حباً فيه، بل حمايةً لنسل بريء لا ذنب له سوى أن أباه يختار الوهم وطناً له.
ما زلنا نتردد على جلسات العلاج الزوجي حتى هذه اللحظة. ما زلت أحاول أن أعيد ترتيب فوضى عقلي، وأن أعلم طفلي الصدق في زمنٍ أصبح فيه الصدق أثمن الأشياء وأندرها. قد لا تكون نهاية قصتنا وردية بالمعنى المطلق، لكنني تعلمت أن أخطر المعارك هي تلك التي تخوضها داخل بيتك، حين تدير دفة سفينة يقودها ربان يتقن الإبحار في بحار الكذب والسراب.