الدفا الحقيقي حكايات منــال عـلـي

لمحة نيوز

إنت بجد كنت فاكر إني هفرح لما أرجع ألاقي أمك قاعدة في شقتنا؟ بشنطتها، وشبشبها، وصينية الكنافة محطوطة على السفرة؟ كنت مستني أقولك شكرًا إنك رجّعتلي دفا البيت؟
قفلت ياسمين ملف آخر تصميم كانت شغالة عليه، ورمت نفسها بتعب على ضهر الكرسي. من 3 سنين، الشقة الواسعة اللي اشترتها في القاهرة الجديدة كانت ملاذها الهادي... مكان ماكانش بيتسمع فيه غير صوت القلم على الورق والمزيكا الهادية وهي شغالة. دلوقتي بقى أحمد عايش معاها فيها بعد الجواز.
كان قاعد على السفرة بيصحح كراسات الطلبة بتوعه، لأنه مدرس لغة عربية في مدرسة خاصة، وكل شوية يقلب صفحة ويكتب ملاحظاته بالقلم الأحمر.
لسه هتكملي شغل لحد متأخر؟
عندي مشروع مهم لازم أخلصه، بكرة عندي عرض قدام العميل.
حط القلم وبصلها. كان باين عليه التعب، لكن كمان فيه عتاب مستخبي في عينيه.
فاكرة لما كنا بنحلم نقعد نتعشى سوا كل يوم؟
قامت ياسمين وقفت عند البلكونة. أنوار القاهرة كانت مالية الشوارع تحت، والعربيات ماشية في زحمة الليل المعتادة. وكل ليلة تقريبًا كانت بتبدأ بنفس الكلام.
إحنا متفقين من الأول... أنا مهندسة ديكور وشغلي بياخد وقت، وإنت مدرس. وكل واحد فينا بيسند التاني.
بنسند بعض فعلًا... بس البيت محتاج دفا يا ياسمين. ساعات بحس إنه ناقص حاجة.
بصتله باستغراب.
الدفا مش ريحة الأكل ولا الحلويات يا أحمد. إنت مش مرتاح هنا؟
مش عارف... أمي دايمًا بتقول إن البيت الحقيقي ريحته أكل طالع من المطبخ وصوت التلفزيون شغال في الخلفية.
مرة تانية... أمه.
أمك عايشة في المنصورة أصلًا، وماتعرفش إحنا عايشين إزاي هنا.
هي بس خايفة عليا.
في اللحظة دي موبايله رن.
أول ما شاف الاسم، وشه اتغير.
أمي...
رد بسرعة
أيوة يا أمي.
سمعت ياسمين صوت الحاجة فاطمة خارج من السماعة.
عامل إيه يا حبيبي؟ صحتك كويسة؟
الحمد لله يا أمي، إنتِ عاملة إيه؟
تعبانة أوي يا ابني... من بعد العملية وأنا كل يوم في وجع شكل.
شدّت ياسمين إيدها بعصبية. نفس المشهد اللي بيتكرر كل أسبوع.
مالك يا أمي؟
جسمي كله بيوجعني يا ضنايا... حاسة إني ماليش عمر طويل.
غمضت ياسمين عينيها. كل مرة نفس الكلام ونفس إحساس الذنب اللي بتحاول تزرعه في ابنها.
ماتقوليش كده يا أمي. روحي اكشفي عند دكتور تاني.
أروح بإيه يا ابني؟ المعاش يادوب مكفيني، وأنا لوحدي ومحدش حاسس بيا.
وكانت ياسمين عارفة الجملة اللي جاية.
إنتِ مش لوحدك. أنا جنبك.
جنبّي؟! ومراتك؟ دي مش شايفة غير شغلها وسفرها.
كانت واقفة على بعد خطوات وسمعت كل كلمة.
ياسمين ست محترمة يا أمي... بس شغلها كتير شوية.
الشغل مش كل حاجة. الست بيتها وجوزها أهم.
اقربت ياسمين وهمست
قولها إن كل حاجة تمام وإني بساعدك.
هز راسه وقال
لا يا أمي، ياسمين واقفة جنبي في كل حاجة.
واقفة جنبك إزاي وهي دايمًا برا البيت؟
طبيعة شغلها كده.
ضحكت الست فاطمة بسخرية.
طب مين بيهتم بيك؟
تاني يوم سافرت ياسمين إسكندرية عشان مشروع كبير هيستمر أسبوع.
وعدّى الأسبوع كله بين اجتماعات وشغل وضغط.
ولما رجعت القاهرة، كانت فرحانة إنها أخيرًا راجعة بيتها.
طلعت المفتاح وفتحت الباب...
واتصدمت.
في المدخل كان فيه شبشب حريمي كبير، وريحة طبخ محشي وبط محمرة مالية الشقة كلها.
أحمد؟
جالها صوت من المطبخ.
دخلت لقت الست فاطمة قاعدة بكل أريحية على السفرة، قدامها براد شاي وصينية بسبوسة.
أهو يا أحمد... الهانم رجعت من السفر.
خرج أحمد من المطبخ وهو ماسك كوب شاي.
حمد لله على السلامة. أمي جات من يومين... كانت تعبانة جدًا.
عقدت ياسمين حواجبها.
تعبانة؟
تنهدت الست فاطمة.
الضغط عليّ عالي والدكتور قال محتاجة راحة شوية. أحمد أصر يجيبني أقعد معاكم.
حطت ياسمين الشنطة على الأرض.
أقعد معاكم؟! من غير ما حد يبلغني؟
ده بيتنا إحنا الاتنين، قال أحمد بهدوء. وأمي محتاجة رعاية.
قعدت ياسمين قدامها.
ابتسمت الست فاطمة ابتسامة هادية، لكن كلامها كان كله رسايل مبطنة.
باين عليكي مرهقة. الست لازم تقعد في بيتها أكتر. العيلة أهم من الشغل.
وأنا بحب شغلي.
الشغل عمره ما كان حجة. الراجل محتاج اهتمام.
بصت ياسمين ناحية أحمد... لكنه فضل ساكت.
أحمد راجل كبير ويعرف يعتمد على نفسه.
ضحكت الست فاطمة.
يعتمد على نفسه؟ ده أسبوع واحد لوحده وكان تايه.
رفعت ياسمين رأسها وقالت بوضوح
هتفضلي هنا قد إيه يا طنط فاطمة؟
ردت وهي باصة لها مباشرة
لحد ما أبقى كويسة. يمكن شهر... ويمكن أكتر.
بصت ياسمين لجوزها، لكنه هرب بعينيه.
أحمد... إحنا محتاجين نتكلم لوحدنا.
قاطعتها الست فاطمة فورًا
وليه لوحدكم؟ أنا أم أحمد... ومن أهل البيت.
سكتت ياسمين، وهي حاسة بتعب تقيل بيزيد جواها

تم نسخ الرابط