ذهبت فتاة مع اختها المتزوجة إلى الطبيبة
اثنا عشر عاماً من الانتظار، مرت عليها كأنها دهرٌ مثقلٌ بالألم والأمل المتأرجح. طوال تلك السنوات، كانت تتجرع مرارة الحرمان في صمت، تبتلع غصتها في كل مرة تسمع فيها صرخة طفل جديد يُولد في العائلة، أو تلمح نظرات الشفقة في عيون من حولها. في ذلك الصباح البارد، سحبت خطواتها المثقلة باليأس وذهبت برفقة شقيقتها الصغرى إلى أحد المستشفيات الكبرى، أملاً في العثور على إجابة طبية، أو بصيص نور يفسر سبب هذا العقم الذي سلبها حلم الأمومة طيلة عقد ونيف من الزمان.
داخل العيادة البيضاء الباردة، استمعت الطبيبة لتاريخها الطبي الطويل، ثم طلبت سحب عينة دم لإجراء فحوصات دقيقة وشاملة للهرمونات، وأخبرتهما بصوت عمليّ هادئ أن ظهور النتائج سيستغرق قرابة الساعة. ساعة واحدة فقط، لكنها بدت للمرأة المحرومة وكأنها سنة كاملة من العذاب والترقب.
خرجت الشقيقتان من العيادة بخطوات متوترة، وجلستا في الممر الطويل المقابل للمختبر. كان المكان يغص بالمراجعين، وتفوح منه رائحة المعقمات التي تزيد من انقباض الصدر. وبينما هما غارقتان في صمت الانتظار الثقيل، أقبلت امرأة حامل في شهورها الأخيرة، تسير بتثاقل واضح، وجلست على المقعد المقابل لهما مباشرة. كان مشهد بطنها الكبير، وحركة الجنين التي تكاد تُرى من تحت ثيابها، كفيلاً بإيقاظ كل مشاعر النقص، والأمومة المكبوتة، والألم الدفين في صدر المرأة المحرومة.
لم تستطع إبعاد عينيها عنها. كانت تنظر إليها بشوق يكاد يحرق قلبها، وبدلاً من أن تدير وجهها لتتجاهل المشهد كما تفعل عادة، غلبتها عاطفتها الجياشة هذه المرة. نهضت بخطوات مسلوبة الإرادة، واقتربت من المرأة الحامل وجلست بجوارها. رسمت على شفتيها المرتجفتين ابتسامة منكسرة، وبصوت متهدج تقطعه العبرات قالت: "عذراً يا أختي... هل تأذنين لي، من فضلكِ، أن أضع يدي فوق بطنكِ للحظة واحدة فقط؟ أريد فقط أن أشعر بحركة طفلكِ وهو ينبض بالحياة."
كان الطلب غاية في العفوية، ينضح ببرائة وانكسار يذيب الحجر، غير أنه وقع على مسامع امرأة قاسية الفؤاد. في كسر من الثانية، تبدلت ملامح المرأة الحامل، واكفهر وجهها، ثم صرخت بصوت حاد لفت أنظار كل من في الممر: "ابتعدي عني فوراً أيتها المتمردة! ماذا تريدين مني؟ هل تريدين ممارسة السحر والشعوذة عليّ لتسقطي طفلي وتجهضيني بالحسد؟!"
صُعقت الأخت المتزوجة، وتجمدت الدماء في عروقها. اشتعل وجهها بخجل قاتل أمام عشرات العيون التي التفتت ترمقها باستنكار. تراجعت إلى الخلف بخطوات متعثرة، وانهمرت دموعها كالسيل وهي تحاول تبرير موقفها بصوت يخنقه البكاء: "معاذ الله! لا والله لم أقصد سوءاً... أردت فقط الإحساس بحركة طفل ينبض، فقد حُرمت من هذا الشعور وتمنيت أن أحمل منذ سنين طويلة..."
لكن كلماتها لم تجد طريقاً لقلب المرأة التي أشاحت بوجهها بتعالٍ. أسرعت الشقيقة الصغرى، ونهضت لتنتشل أختها المنهارة من وسط هذا الموقف المهين، وأعادتها إلى مقعدها البعيد. هناك، انهارت الأخت المتزوجة تماماً، وهمست والشهقات تمزق صدرها: "ليس بيدي يا أختي... يعلم الله أنه ليس بيدي. لقد فقدت السيطرة على مشاعري حين رأيت بطنها، تمنيت فقط لو عشت إحساس الأمومة لثوانٍ معدودة، أردت أن ألمس الحلم الذي أراه يتبخر من بين يدي يوماً بعد يوم."
احتضنتها شقيقتها بقوة، ومسحت على رأسها بحنان قائلة: "هوّني عليكِ يا حبيبتي، ولا تحزني. فربكِ كريم، وخزائنه لا تنفذ. سيأتي اليوم الذي يعوضكِ فيه، وستفرحين بحركة طفلكِ داخل أحشائكِ بإذن الله، امسحي دموعكِ."
غير أن مرارة الإهانة، مقترنة بخيبة الأمل، أغلقت أنفاسها. ضاقت بها جدران المستشفى، ولم تعد تطيق نظرات العطف أو الشماتة العالقة في عيون الحاضرين. قالت بصوت مهزوم: "لا طاقة لي بالبقاء هنا، ولا بمشاهدة أمهات أكثر... اذهبي أنتِ لاستلام النتائج، وسأنتظركِ في الخارج أستنشق بعض الهواء."
غادرت المبنى تمسح عبراتها متوارية عن الأنظار، وقصدت الحديقة الخلفية للمستشفى. اختارت ركناً نائياً تحت ظل شجرة قديمة، جلست وحيدة، وبمجرد أن خلت بنفسها، انفجرت في نوبة بكاء مريرة. رفعت عينيها الغارقتين بالدموع إلى السماء، وراحت تناجي ربها بصوت متصدع من فرط القهر: "يا رب... يا جبار الخواطر، أتوسل إليك بحق رحمتك ألا تحرمني من لذة الذرية. يا رب، كُسر قلبي وأنت جابره، ارزقني يا رب ولا تتركني وحيدة، أرجوك يا إلهي لا تحرمني... لا تحرمني."
لم تطل مناجاتها طويلاً، فالسماء كانت أقرب إليها من حبل الوريد. وفجأة، قطعت خلوتها أصوات خطوات مسرعة تقترب منها. التفتت لترى شقيقتها الصغرى تركض نحوها، تتعثر في خطواتها من فرط السرعة، ووجهها مغطى بالدموع، لكنها دموع تتخللها ضحكات هستيرية ومزيج من الفرح والذهول.
صرخت الشقيقة وهي تلوّح بورقة التحاليل في الهواء: "النتيجة يا أختي! النتيجة! مباركٌ عليكِ... مباركٌ عليكِ يا حبيبتي، أنتِ حامل! أقسم لكِ أنكِ حامل وسوف تصبحين أماً!"
تسمرت المرأة في مكانها، عجزت قدماها عن حملها، وعجز عقلها عن استيعاب الكلمات. اختطف الورقة من يد أختها بأصابع ترتجف، ونظرت إلى الختم الطبي والنتيجة الإيجابية التي تؤكد وجود حياة تنبض في أحشائها دون أن تدري. لم يكن العقم الذي جاءت تبحث عن علاجه سوى بداية لتشكل جنينها المنتظر.
سقطت الورقة من يدها، وفوراً هوت على ركبتيها في التراب، ساجدة لله سجود شكر طويل. بكت كما لم تبكِ من قبل، لكنها هذه المرة كانت دموعاً تغسل سنوات الحرمان الاثنتي عشرة، وتُبدل حالتها في رمشة عين من قاع الحزن والانكسار، إلى قمة السعادة واليقين بأن عوض الله إذا حلّ، أنسى القلب كل ما قاساه.