حماتي قالت استرزقي..حكايات منــال عـلـي
«إسترزقي فيها يا بنتي... بدل ما الشقة مقفولة.»
الجملة دي فضلت ترن في وداني شهور طويلة، وكل ما أفتكرها أحس إن الإنسان ممكن يصدق كلمة واحدة، ويبني عليها أحلام كبيرة... وبعدها يكتشف إنها كانت مجرد بداية لحكاية عمره ما كان يتمنى يعيشها.
أنا اسمي ندى، متجوزة من كريم بقالنا عشر سنين.
العشر سنين دول شافوا أيام حلوة، وأيام صعبة، وأيام كنت بحاول أقنع نفسي إن بكرة أكيد هيبقى أحسن.
أول ما اتجوزت، كنت فاكرة إن حياتي هتبدأ في شقة جديدة، أرتبها على مزاجي، وأفرشها بالحلم اللي كل بنت بتحلم بيه.
لكن اللي حصل كان غير كده.
حماتي كانت شطبت الدور التاني كله، وكل الناس كانت فاكرة إنها هتدينا الشقة نبدأ فيها حياتنا.
لكن فجأة قالت إنها استخسرتها فينا.
وسكنتنا معاها في الدور الأرضي.
كنت بقول لنفسي:
"معلش... المهم نبقى جنب بعض."
وعدت سنة... واتنين... وتلاتة...
وكل مرة أقول أكيد الظروف هتتغير.
لحد ما ربنا فتحها على جوزي.
اشتغل شغل كويس، وربنا كرمه، وقدر يبني الدور التالت.
ويوم ما طلعنا شقتنا الجديدة، حسيت لأول مرة إني بتنفس.
قفلت باب شقتي وقولت:
"الحمد لله... أخيرًا بقى عندي بيتي."
أما الشقة الأرضي... فاتقفلت.
الرطوبة ملت الحيطان، والباب بقى نادرًا ما يتفتح.
كل ما أعدي جنبها أقول:
"حرام المكان يفضل كده."
وفضل الوضع على كده شهور.
لحد ما في يوم، وأنا قاعدة بحسب مصاريف البيت، لقيت المرتب بيخلص قبل نص الشهر.
الأسعار بتزيد.
والطلبات مبتخلصش.
وأنا من زمان نفسي أشتغل.
مش عشان أصرف على نفسي...
لكن عشان أساعد جوزي.
فضلت أفكر كتير.
لحد ما جاتلي الفكرة.
ليه ما أعملش دروس تأسيس للأطفال؟
أنا بحب التدريس، وعندي خبرة، والناس كانت دايمًا بتشكر في طريقتي.
وأول مكان جه في بالي...
الشقة اللي في الدور الأرضي.
جمعت شجاعتي، ونزلت لحماتي.
وقلت لها:
"إيه رأيك أستخدم الشقة وأدي فيها دروس تأسيس؟"
بصتلي كام ثانية.
وبعدين قالت بمنتهى البساطة:
"اعملي اللي انتي عايزاه... استرزقي فيها بدل ما هي مقفولة."
فرحت جدًا.
مكنتش مصدقة إنها وافقت بسهولة.
طلعت جري، وحضنت جوزي.
قلت له:
"أخيرًا هقدر أشتغل."
ابتسم وقال:
"ربنا يوسع رزقك."
ومن اليوم ده بدأت أنضف الشقة.
شيلت التراب.
غسلت الأرض.
فتحت الشبابيك.
رشيت معطر.
وجبت سبورة.
وكرسيين.
وبعدين عشرة.
كل جنيه كنت بدفعه، كنت بدفعه وأنا فرحانة.
كنت حاسة إني ببني حلمي بإيدي.
وبعد أسابيع، بدأ الأطفال يجوا.
أول طفل.
وبعدين تلاتة.
وبعدين ستة.
لحد ما بقى المكان كله مليان ضحك وحركة.
ولأول مرة من سنين...
حسيت إن ليا قيمة.
وإن تعبي بيجيب نتيجة.
وبعد شهر تقريبًا...
صاحبتين ليا جم يقعدوا معايا.
قالولي:
"إحنا كمان عايزين ندي حصص هنا لو ينفع."
الفكرة عجبتني.
المكان هيبقى شغال طول اليوم.
والرزق هيزيد.
قلت لهم:
"سيبوني أكلم حماتي الأول."
لكن قبل حتى ما أتكلم...
هي كانت عرفت.
وفي نفس الليلة نادتني.
دخلت عليها وأنا فاكرة إنها هتباركلي.
ابتسمت وقالت:
"بصي... من النهارده أنا هاخد خمستاشر جنيه على كل عيل يدخل الشقة."
افتكرت إني سمعت غلط.
قلت:
"يعني إيه؟"
قالت بكل هدوء:
"كل طفل... عليه خمستاشر جنيه."
اتصدمت.
وقلت:
"بس ده ماكانش اتفاقنا... حضرتك قولتيلي استرزقي فيها."
ردت بمنتهى البرود:
"وده رزقي أنا."
قلت بسرعة:
"طيب خلاص... أأجر الشقة منك بمبلغ ثابت كل شهر."
هزت دماغها.
"لأ."
"ليه؟"
"أنا عايزة نسبتي على كل طفل."
خرجت من عندها وأنا مش فاهمة.
إزاي كل حاجة اتغيرت فجأة؟
لكن قلت لنفسي...
"ماشي... يمكن العدد قليل."
ولأنها ماكنتش عارفة عدد الأطفال...
وافقت على مضض.
لكن تاني يوم الصبح...
وأنا داخلة أفتح الشقة...
لقيت مفاجأة عمري ما كنت أتخيلها.
حماتي كانت قاعدة قدام الباب.
وحاطه ترابيزة.
وعليها شيبسي...
وبسكوت...
وعصير...
وترمس...
وحُمص الشام...
وبتنده على الأطفال وهي بتقول:
"تعالوا يا حبايب تيتة... كل حاجة عندي."
وقفت مكاني...
مش مستوعبة اللي بشوفه.
لكن الصدمة الحقيقية...
كانت لما سمعتها بتقول قدام أولياء الأمور جملة واحدة، عرفت بعدها إن اللي جاي مش هيكون سهل أبدًا...
وقفت مكاني وأنا شايفة حماتي قاعدة قدام باب الفصل، عاملة كانتين كامل، شيبسي، وبسكويت، وعصاير، وترمس، وحمص الشام... وكل طفل داخل بتنده عليه باسمه.
أما أنا... فكنت حاسة إن حلمي اللي تعبت فيه بيتسحب من تحت رجلي.
استنيت الأطفال يدخلوا، وبعد ما خلصت أول حصة طلعت لها بهدوء.
قلت: "يا ماما... ممكن نتكلم شوية؟"
ردت وهي مبتسمة: "اتفضلي."
قلت: "إحنا ما اتفقناش على كده."
قالت بمنتهى البرود: "وده مالي؟ أنا حرة في بيتي."
حاولت أمسك أعصابي.
"أنا مقولتش حاجة على الكانتين... بس حضرتك كمان عايزة خمستاشر جنيه على كل طفل، وكمان هتبيعي لهم... كده أنا مش هعرف أكمل."
قالت وهي بتعدل طرحتها: "اللي مش عاجبها تمشي."
الجملة دي نزلت عليا زي الصاعقة.
رجعت الفصل وأنا دموعي محپوسة.
خلصت اليوم بالعافية.
ولما رجعت البيت، حكيت لجوزي كل اللي حصل.
فضل ساكت شوية.
كنت مستنية منه يقول: "حقك عليا... هكلم أمي."
لكنه قال:
"خلاص يا ستي... عديها."
بصيت له پصدمة.
"أعديها إزاي؟"
قال: "دي أمي... ومش عايز مشاكل."
قلت وأنا بحاول أمسك نفسي: "وأنا؟ تعبي ده كله يروح فين؟"
سكت.
عرفت وقتها إن القرار هيبقى قراري أنا.
تاني يوم الصبح نزلت قبل الأطفال.
خبطت على باب حماتي.
فتحت وهي مستغربة.
قلت بهدوء:
"أنا فكرت طول الليل."
قالت: "وبعدين؟"
قلت: "أنا مش هشتغل هنا تاني."
اتفاجئت.
"يعني إيه؟"
قلت: "هشيل كل حاجتي... وهدور على مكان إيجار."
ضحكت وقالت بثقة:
"وإنتي فاكرة الناس هتروح معاكي؟"
ابتسمت لأول مرة.
"دي حاجة نجربها."
في نفس اليوم، كلمت أولياء الأمور.
شرحت لهم إن المكان اتغير، وإن خلال أسبوع هنكون في مقر جديد قريب.
اتفاجئت إن أغلبهم قالوا جملة واحدة:
"إحنا جايين عشان حضرتك... مش عشان المكان."
الكلمة دي رجعتلي ثقتي.
بعد أسبوعين، استأجرت شقة صغيرة.
مكنتش فخمة.
لكن كانت بتاعتي.
حطيت السبورة.
ورتبت الكراسي.
وعلقت رسومات الأطفال.
وفي أول يوم...
كل الكراسي تقريبًا اتمليت.
الأمهات كانوا بيسلموا عليا ويقولوا:
"الحمد لله إنك فتحتي المكان الجديد."
أما حماتي...
فضلت مستنية الأطفال يرجعوا يشتروا من الكانتين.
لكن محدش جه.
بعد أيام، فكته وشالت الترابيزة.
ولأول مرة، هي اللي نزلت تكلم جوزي.
وقالت له:
"قول لمراتك ترجع."
ابتسم جوزي وبصلي.
لكن المرة دي...
أنا اللي رديت.
قلت بكل هدوء:
"الرزق من عند ربنا... ومكان ما يكون فيه راحة واحترام، هو ده مكاني."
ومن يومها...
اتعلمت درس عمري ما هنساه...
أي رزق يبدأ بالإهانة... عمره ما هيكمل بالبركة. وأحيانًا أصعب قرار، هو اللي بيفتحلك باب رزق أكبر بكتير مما كنت تتخيل.