كانت من الناس.. حكايات منــال على
كانت من الناس اللي أول ما تدخل أي مكان، الكل ياخد باله منها فورًا. ضحكتها عالية، كلامها سريع، وحركاتها كلها طاقة وحيوية . لما تدخل قعدة، تحس إن النور زاد فجأة. الناس حواليها كانوا بيضحكوا معاها بسهولة، ويوافقوها على كل كلمة لحد ما يكتشفوا إن كل حاجة ماشية على مزاجها هي وبس.
جوزي أحمد كان متعلق بسماح من وهما صغيرين. إتربوا سوا من غير أب، وأمهم كانت طول الوقت في الشغل. ولما كانت أمهم بتغيب بالساعات عشان شغلها، كانت سماح هي اللي بتاخد دور الأم والأخت وكل حاجة.
بالنسبة لأحمد، سماح ماكنتش مجرد أخته دي كانت جزء من حياته القديمة اللي عمره ما عرف يبعد عنها. وأنا؟ ... كنت فاهمة ده والله كنت فاهمة.
سماح بدأت تيجي عندنا من أول صيف بعد جوازنا. كانت جاية من إسكندرية هي وجوزها وعيالها. في الأول الموضوع كان عاجبني فعلًا لمة عيلة، وضحك، وعيال بتجري في البيت، وحياة . كنت أستنى زيارتها، وأعمل الأكلات اللي بتحبها، ونقعد نرغي بالساعات في المطبخ.
سماح كان عندها قدرة غريبة تخلي أي يوم عادي يبقى فيه روح وبهجة. بس مع الوقت البهجة دي بدأت تتغير. ببطء زي مية راكنة بقالها كتير.
في رابع صيف، بدأت آخد بالي إن أطباق الفطار بتفضل في مكانها لحد بالليل. وإن لعب العيال والشباشب والفوط مرمية في كل حتة كأن البيت مش بيتنا. وبقيت أروح السوبر ماركت كل يومين، وبرضه التلاجة تفضى بسرعة. خمس أفراد زيادة في البيت وبعد كام يوم مافيش غير طماطماية وعلبة جبنة سايبة.
أحمد؟ ولا شايف حاجة. أو يمكن مش عايز يشوف.
في خامس صيف فهمت إني بقيت بطبخ تلات مرات في اليوم للجميع. سماح ساعات تساعدني، لكن أغلب الوقت كانت تقول يا بنتي إحنا جايين نغيّر جو ونرتاح شوية.
أما أحمد، فكان ينزل شغله من بدري ويرجع بالليل. وأنا؟ كنت باخد أجازتي السنوية في يوليو كل سنة عشان ببساطة مين غيري هيطبخ وينضف ويشيل ورا العيال؟
في يوم قولتله وأنا تعبانة أحمد ما تخلي سماح تعمل العشا النهارده؟ بصلي بهدوء وقال يا حبيبتي دي جاية أجازة ترتاح. بصيتله وقولت وأنا؟ هز كتفه وقال بمنتهى البساطة ما إنتي قاعدة في البيت.
ما إنتي قاعدة في البيت. الجملة دي فضلت عايشة جوايا زي شوكة صغيرة بتوجعني كل شوية.
كل ربيع كنت أستنى مكالمة سماح، وعارفة هتقول إيه بالحرف هااا جهزي نفسك بقى، إحنا جايين يوليو زي كل سنة ماكنتش بتسأل أصلًا. كانت بتقرر وأنا أقول تلقائي طبعًا يا حبيبتي.
صيف ورا صيف وبقيت أنا طباخة وفندقية ببلاش. سماح عندها تلات عيال، منهم يوسف وملك اللي بقوا مراهقين. ومع الوقت أحمد بقى بيدلعها أكتر وأكتر. كان يساعدها في أقساط البيت، ويبعتلها فلوس كل شوية.
وأنا كنت عارفة كل حاجة كل تحويل، وكل مبلغ. أنا شغالة محاسبة في مركز تحاليل، ومستحيل ماخدش بالي . أوقات كانت تكلمه وتقول إن الدنيا مزنقة معاها، وفي نفس الليلة يكون باعتلها فلوس.
أنا ماكنتش شريرة بس كنت مرهقة لدرجة الوجع. آخر يوليو من كل سنة كنت ببقى مهدودة تمامًا، لدرجة إني أول أسبوع في أغسطس ماكنتش قادرة ألم طبق من مكاني.
بعد الاتناشر سنة الأولى، قررت أتكلم. مش خناقة مجرد كلام.
كنا بنتعشى، وأحمد ماسك موبايله بيتفرج على الأخبار. قولتله بهدوء ما تيجي سماح السنة دي أسبوعين بس بدل شهر كامل؟ أنا نفسي أزور أمي شوية في يوليو. رد بكل هدوء روحي عادي وأنا هتصرف.
سكت شوية. هو فعلًا كان مقتنع إنه هيعرف يتصرف، وهو أصلًا مايعرفش يطبخ بيضة. قولتله ومين هيطبخ؟ سماح؟ ابتسم بتعب وقال يا ستي هي كبيرة وهتعرف تدبر نفسها. بصيتله وقولت عمرك شوفتها وهي بتدبر نفسها أصلًا؟ حط الموبايل وبصلي بتعب دي أختي شهر واحد في السنة. إنتي مكبرة الموضوع.
قولت وأنا حاسة إني خلاص تعبت لا أنا بس نفسي تشوف الحقيقة. إنت شايف طفولتك معاها لكن أنا شايفة ست كل سنة بقضي أجازتي بخدمها وبخدم عيالها.
فضل ساكت شوية. وبعدين قال حاضر هكلمها. ضحكت بمرارة ما إنت كلمتها قبل كده فاكر لما كنت نايمة سخنة ومهدودة؟ بص للكوباية اللي قدامه وسكت.
الليلة دي ماعرفتش أنام. فضلت أحسب خمستاشر صيف. أكتر من سنة كاملة من عمري راحت في الخدمة والتعب. وفجأة جاتلي أول فكرة واضحة من سنين.
طب ما أقلب التربيزة بقى؟
في فبراير، وأنا راكبة المترو، لقيت نفسي بابتسم فجأة . ليه لأ؟ معايا أجازة، ومعايا شوية فلوس محوشاهم. وإحنا أصلًا ماخلفناش. يبقى ليه ما أخدش أنا يوليو لنفسي؟
طلعت موبايلي، وكتبت ملاحظة أكلم سماح في مايو وأقولها إني جاية أقعد عندها أنا السنة دي.