ابني عنده سبع سنين

لمحة نيوز

ابني عنده سبع سنين وكل ما تيجي سيرة أبوه يصرخ وتجيله حالة غريبة، لدرجة إن أبوه اضطر يسيب البيت، حاولنا نفهم إيه السبب بس مكانش بيرد ولا يفهمنا، لحد يوم عيد ميلاده لما فتحنا علب الهدايا لقينا السبب في هدية منهم واللي عرفناه كان كارثة بكل المقاييس!

أنا أم لولد عنده سبع سنين، ماليش غيره في الدنيا هو وأبوه. ابني ده كان روحه في أبوه، تعلق مش طبيعي.. كان يستناه على الباب بالساعات عشان أول ما يدخل . أبوه كان مستعد يجيبله نجمة من السما لو طلب. أي لعبة يطلبها، أي حاجة يشاور عليها، تكون عنده في نفس اليوم. كنت ساعات أقول لجوزي: "يا أسعد أنت كده بتدلعه زيادة عن اللزوم، الولد هيطلع متدلع!"، كان يبتسم ويقولي: "لو مأدلعش ابني وحبيبي، هأدلع مين يعني؟ ده فرحة عمري كله."

كنا عايشين مبسوطين جدًا، لحد من سنة بالظبط، الولد كان قاعد في الصالة بيلعب بألعابه وهادي جدًا ومفيش أي حاجة غريبة. فجأة، سمع صوت مفتاح أبوه في الباب. الطبيعي إنه كان بيجري على الباب، بس المرة دي حصل العكس تمامًا! الولد أول ما شاف أبوه داخل، وشه اتخطف، وعينيه اتمَلَت برعب أنا عمري ما شفته في حياتي. صرخ، وجري عليا استخبى في ضهري وهو بينفض وركبه بتخبط في بعضها، وبكى بكاء هستيري يقطع القلب.

أنا وجوزي اتخضينا وجرينا عليه وبنحاول نفهم في إيه، بس كل ما أبوه يقرب منه خطوة، الولد يدفع إيد أبوه بخوف، ويتنفض أكتر وأكتر، وللأسف من كثر الرعب عمل حمام على نفسه وهو ماسك في جلابيتي وبيصرخ ويقول:

"أبعدوه عني! خليه يسيبني، قوليله يمشي!"

أبوه اتصدم صدمة عمره. وقف مكانه زي المشلول، عينيه دمّعت ومش فاهم حاجة.. ده ابنه اللي كان لسه الصبح بيبوسه! وقف هيتجنن وأنا أخدت الولد في حضني ودخلت بيه الأوضة بسرعة، غيرتله هدومه وقعدت أهدي فيه وأطبطب عليه وأقرأ عليه قرآن لحد ما عينيه غمضت ونام وهو ماسك في إيدي جامد وكأنه خايف يصحى يلاقيني مشيت.

طلعت لجوزي بره، لقيته قاعد على الكنبة حاطط إيده على وشه وقاللي: "هو أنا عملتله إيه؟ هو فيه إيه يا نادية؟"، قلتله وأنا بحاول أطمنه وأطمن نفسي: "يمكن مخضوض من حاجة في التلفزيون، أو حلم كابوس وصحي مش مركز.. بكره يقوم ويبقى زي الفل."

لكن الكابوس ما انتهيش. الولد صحي الصبح عادي جدًا، بيلعب وبيضحك معايا ، وبمجرد ما أبوه دخل الأوضة عشان يطمن عليه، الولد رجع يصرخ بنفس حالة الرعب. كنا هنتجنن! الأيام بتعدي والحال بيسوأ، وكل ما أحاول أسأله إيه السبب مبيدنيش فرصة، أول ما يسمع بس اسم أبوه أو سيرة القعدة معاه، تجيله حالة غريبة، يحط إيديه الاثنين على ودانه ويغمض عينيه ويفضل يبكي ويصرخ ويقول:

"مش عايز أقول حاجة، مش عايز أسمع! مش عايز أشوفه!"

أخدناه عند أكبر دكاترة نفسيين وأطفال. الدكتور قعد معاه يحاول يستدرجه، يخليه يرسم، يخليه يتكلم.. مفيش فايدة! الولد قافل تمامًا ومش راضي ينطق بكلمة واحدة. أخيرًا الدكتور قالنا:

"الحالة دي حالة صدمة شديدة، وجود الأب حاليًا بيزود الضغط على عقله الصغير. الأفضل الأب يسيب البيت فترة مؤقتة عشان الولد يهدى ونعرف نوصل للسبب."

القرار ده كان زي السكينة اللي اتغرست في قلبنا. أبوه أخد شنطة هدومه وخرج من بيته مكسور، أخد شقة صغيرة في العمارة اللي قبالنا عشان بس يلمحنا من البلكونة. كان يرن عليا كل نص ساعة، ويطلب أفتح السبيكر عشان يسمع ضحكة ابنه أو نفسه من بعيد.. كنت بتقطع عليه وعلى ابني اللي بيضيع مني وأنا مش فاهمة حاجة.

مرت الأيام والشهور والحال هو الحال.. لحد ما جه يوم عيد ميلاد الولد. يومها قلت لكل القرايب والضيوف اللي جايين الحفلة:

"كل واحد يلبس قناع كرتوني على وشه، الحفلة هتبقى تنكرية للأطفال."

طبعًا أنا عملت كده عشان أبوه يقدر يدخل الحفلة بزي تنكري وقناع، ويحضر عيد ميلاد ابنه من غير ما الولد يعرفه ولا يخاف. وفعلاً، أبوه جه وهو لابس قناع وشخصية كرتونية، وكان طاير من الفرحة.. مسك إيد ابنه، وشاله،  بحسرة وحب، والولد كان فرحان وبيضحك وميعرفش إن الشخص ده هو نفسه أبوه اللي بيترعب منه!

وبعد ما طفينا الشمع، جه وقت فتح الهدايا. الولد كان قاعد في النص فرحان ومتحمس، وحواليه علب هدايا كتيرة جدًا من كل الناس. بدأ يفتح علبة ورا علبة، ويضحك ويشكر، لحد ما مسك علبة غريبة، متغلفة بتغليف فاخر، بس مفيش عليها ولا كارت ولا اسم ولا أي حاجة تقول دي بتاعة مين.

أنا استغربت وقلت في بالي: "دي بتاعة مين دي؟ أنا ماشفتش حد جاب العلبة دي بالتحديد!"

الولد بدأ يفك الشريط ببطء، والكل واقف بيتفرج ومستني.. أول ما فتح الغطاء وبص جواه، الضحكة اختفت من على وشه.

أنا وابوه أول ما شوفنا اللي فيها اتجمدنا والكل حوالينا كان مصدوم ومحدش قدر يستوعب البشاعة اللي كانت جواها...

أنا أول ما شفت اللي جوه العلبة، حسيت إن الدنيا لفت بيا، وإيدي اتجمدت مكانها.

العلبة كان جواها موبايل قديم صغير، وشوية صور، وفلاشة، وورقة متنية نصين.

ابني كان باصص للحاجات دي وهو ساكت، بس وشه اتغير، وكأنه شاف حاجة كان بيحاول ينساها طول السنة اللي فاتت.

أبوه، اللي كان واقف ورا القناع، قرب خطوة من غير ما ياخد باله، فالولد فجأة شهق شهقة عالية ورجع لورا.

أنا بسرعة حطيت إيدي على كتفه وقلت:

"خلاص يا حبيبي، متخافش... محدش هيقرب منك."

أبوه وقف مكانه، ومبقاش قادر حتى يتنفس.

أنا بصيت للعلبة تاني، ومسكت الورقة وفتحتها.

كان مكتوب فيها:

"الحقيقة اللي ابنكم مش قادر يقولها... موجودة على الفلاشة. متفتحوش الموبايل قدامه."

أنا حسيت إن قلبي هيقف.

بصيت لجوزي، وبعدين للولد، وقلت للناس اللي حوالينا:

"ممكن لو سمحتوا كل الناس تخرج بره دقيقة؟"

الكل اتصدم، لكن خرجوا واحد ورا التاني، وأقفلت باب الصالة.

فضلنا أنا وجوزي وابني بس.

جوزي شال القناع من على وشه وحطه على الترابيزة، وقعد بعيد عن ابنه عشان ميخوفوش.

قال بصوت مكسور:

"افتحي الفلاشة يا نادية... لازم نعرف."

حطيت الفلاشة في اللابتوب، وفتحنا أول ملف.

في البداية كانت الشاشة سودا، وبعد ثواني ظهر تسجيل من كاميرا مراقبة.

وأول ما شفت المكان، عرفت إنه مكان شغل جوزي القديم.

كان ابني موجود!

كان عمره وقتها ست سنين تقريبًا.

أنا شهقت وحطيت إيدي على بقي.

جوزي قرب من الشاشة وهو مش مصدق.

الفيديو كان من يوم الحادثة اللي بدأ بعدها ابني يتغير.

تم نسخ الرابط