حلا والسرطان

لمحة نيوز

بنتي حبيبتي حلا كان عندها عشر سنين، وكانت بتصارع مرض السرطان بقالها قرب سنتين.
اليومين دول كانوا أشبه بكابوس طويل مش مخلص، كل يوم بنروح المستشفى، جلسات كيماوي، وشي باهت من كتر السهر، وهي اللي دايماً بتداري تعبها بابتسامة صغيرة عشان متشوفش الدموع في عيني.
ولما آخر جلسة علاج مابتش تجيب نتيجة، الدكتور دخل لي وقفل الباب وبهدوء شديد قال لي إننا لازم نفكر في اللي جاي بحذر.. يعني باختصار، الوقت مبقاكش في صالحنا.
من ساعتها بطلت أقول كلمة ممكن بكرة.
لو حلا طلبت تاكل كيكة بالليل، كنا بنقوم نعملها على طول وميهمناش الكركبة. ولو طلبت تسهر تتفرج على كرتون قديم للصبح، كنا بنسهر ومفيش نوم. بقيت عايزة أملّي عيني منها ومن ضحكتها.
وفي يوم وهي نايمة على السرير في المستشفى، وبتوريني صور على الموبايل، شافت صورة قلعة حجرية قديمة متحولة لفندق فخم في بلد ريفي هادي.
بصت لي بعيون لمعت وقالت يا ماما، هي الأماكن دي حقيقية؟ هو إحنا ممكن نروح ننام في قلعة حقيقية لمرة واحدة بس قبل ما..؟
سكتت قبل ما تخلص الجملة، بس أنا فهمت وجعها. الأوضة في القلعة دي كانت غالية جداً ومصاريفها تفوق طاقتي بكتير، بس مفرطش في لحظة تفكير.. صرفت جزء كبير من تحويشة عمري اللي كانت محايناها للأيام السايبة، وحجزت ليلة واحدة هناك.
حلا فضلت تتكلم عن السفرية دي أسابيع، وكل ما تتعب كنت أفكرها بالقلعة عشان تلاقي حاجة تستحمل عشانها.
ولما وصلناها أخيراً، كانت تعبانة من السكة وطريق السفر الطويل، بس أول ما عينيها جت على أبراج القلعة العالية والحجر القديم، وشها كله منور وفرح كأنها ملكة دخلت قصرها.
كان نفسها تلف في كل حتة.. السلم الحلزوني الكبير، اللوحات الزيتية القديمة على الحيطة، وحتى المكتبة الصغيرة الهادية اللي في آخر الطرقة اللي ريحتها كلها كتب عتيقة.
بالليل، قعدنا في السرير الواسع الكبير، وفضلنا صاحيين ناكل بسكويت نشتريه من البقالة ونلعب كأننا أميرة وملكة بجد، ونخترع قصص وهمية عن أشباح القلعة الطيبة.
وفجأة، الساعة اتناشر بالدقيقة، حد خبط على باب الأوضة خبطات منتظمة.
حلا بصت لي وقالت بصوت هادي وهي مستغربة مين هيخبط في الوقت المتأخر ده يا ماما؟
قلت لها وأنا قلبي مقبوض شوية ثواني أشوف.
لما فتحت الباب، لقيت مدير القلعة واقف قدامي ووشه بشوش، وماسك في إيده ظرف أبيض مقفول بإحكام.
اسمي الثلاثي كان مكتوب بخط الإيد بوضوح على الظرف من بره.
قال لي باحترام يا فندم، أنا اتوصيت أديكي الجواب ده بعد الساعة اتناشر بالليل بالظبط، ولا دقيقة قبل كده.
سألته بصوت مرتبك مين اللي قالك؟ مين اللي بعت ده؟
هز كَتفه وقال مش عارف يا فندم. الجواب اتساب في الاستقبال مع تعليمات مشددة لليلة النهاردة.
قفلت الباب ورايا بسرعة وفضلت باصة للظرف بصدمة وحيرة.
حلا همست وقالت وعيونها بتلمع افتحيه يا ماما، تعالي نشوف فيه إ ايه.
وفعلاً، فتحت الظرف.
طلعت الورقة وبدأت أقرأ الكلام اللي مكتوب جواها.
وفي نص السطر الأول تقريباً، إيدي بدأت تترعش جامد والكلام دخل في بعضه.
كان مكتوب فيه مش لازم توعديني إنك تكوني سعيدة دايماً يا أم حلا.. أنا بس عايزكي تكوني عايزة حاجة لنفسك إنتي كمان.
استغربت.. الكلام ده كان غريب كأنه حد عارف أنا بفكر في إيه بالضبط. كملت قراية، ولقيت رسالة طويلة من بنتي نفسها بطريقة ما، أو مكتوبة بلسان حالها.. كانت كاتبة إنها طول الفترة اللي فاتت كانت بتخاف مش من المرض وبس، لا، دي كانت بتخاف من سكوتي، وكانت فاكرة إن حمايتها في إنها تداري وجعها، بس اكتشفت إن السكوت ده كان بيوجعنا إحنا الاتنين. حلا كانت كاتبة إنها عايزة تسأل الدكتورة بصراحة عن كل خطوة، وعايزة تختار مين يزورها في الأيام الصعبة، وعايزة تحس إنها لسه إنسانة ليها قرار مش مجرد مريضة قاعدة تستنى القدر.
غرقت في العياط وأنا حاضنة الورقة دي، ولما حلا سألتني بدموع ماما إنتي زعلانة؟، مسحت دموعي وقعدت جنبها، وسألتها من قلبي إنتي نفسك في إيه بجد؟ فقالت لي بكل بساطة إنها نفسها أرجع أحب هوايتي القديمة.. الفخار اللي سبته من سنين.
تاني يوم الصبح، وقبل ما الفجر يطلع، نزلنا أنا وهي وإحنا لابسين بلوفرات ثقيلة وشرابات لحد مكتبة القلعة الهادية، وهناك اعترفت لها بكل مخاوفي، وقلت لها إني أنا كمان خايفة أفقدها.. ضغطت على إيدي بضعف بس بثبات وقالت لي وأنا كمان يا ماما، بس إحنا مع بعض.
لما جينا نعمل شيك أوت ونمشي، ظهر في الاستقبال شخص اسمه دياب، وفاجأني بإن ممدوح شخص طيب ظهر في حياتنا ومد إيد العون كان دفع تمن الأوضة بالكامل، ولأول مرة في حياتي وافقت أقبل المساعدة من غير ما أجادل أو أرفض بعزة نفس كدابة.
بعد تلات أسابيع، لما دكتور بهاء شرح لحلا الخيارات الطبية اللي قدامنا، قدرت أمْسِك نفسي وماردش على كل سؤال بدالها زي متعودة. حلا سألت عن كل التفاصيل، وسوا حطينا خطة علاج صوتها كان أساس فيها. وفي يوم السبت، رجعت أتعلم الفخار تاني، وجبت معايا البيت طبق أزرق معوج وبسيط، أول ما حلا شافته ضحكت بصوت عالي.
مفيش حاجة في مرضها بقت سهلة، ولا إحنا مثلنا غير كده.. بس الأمل خد شكل تاني صادق ومشترك. وقعدت أتعلم إني مش لازم أشيل كل هم الدنيا لوحدي، وأحياناً الحب الحقيقي مش بس إننا نشيل الشنطة عن ولادنا، ده أحياناً معناه إننا نثق فيهم كفاية عشان هما كمان يشيلوها معانا.

تم نسخ الرابط