كانت أمي دايماً بتقول إن الوجع لما بيطول في الجسم بيبقى زي الضيف التقيل
كانت أمي دايماً بتقول إن الوجع لما بيطول في الجسم بيبقى زي الضيف التقيل، بس أنا كنت عارفة إن الوجع اللي في قلب أمي مش ضيف... ده صاحب البيت.
عندي دلوقتي 25 سنة، وعلى مدار 10 سنين كاملين، حياتي كلها كانت زيارات لمستشفى الأمراض العقلية. أصحى الصبح، أحضر الأكل اللي أمي بتحبه، وأركب المواصلات وأنا بتمنى مع كل خطوة ألاقيها النهاردة أحسن شوية... أو على الأقل تكون فاكراني.
أمي ما كرهتش الدنيا مرة واحدة، الدنيا هي اللي نهت فيها حتة حتة. زمان، قبل ما أنا أتولد وقبل ما تكون في المكان ده، كانت ست تانية خالص. كانت متجوزه قبل أبوي وبتحب جوزها الأولاني حب مالوش أخر، وربنا رزقهم بطفل سموه علي. بس الحلو ما بيكملش، جوزها اتوفى في حادثة فجأة، وقبل ما تفوق من الصدمة، جحيم الورث اتفتح. بين طمع أعمام الولد وقسوة أبوها، طارت الرحمة من قلوبهم كلهم. أبوها حلف يمين إن علي ابنها ميفضلش معاهم، وراخد الطفل اللي كان عنده سنة واحدة بس من حضنها بالقوة، ورماه لأعمامه، وجوزها لأبوي غصب عنها بعد ما عدتها خلصت على طول.
من يومها وأمي اتكسرت. صدمة أخذت منها روحها. كانت تحاول تخرج تدور على ابنها، أعمامه يطردوها ويمنعوها، وجوزها لما يعرف يربطها في البيت ويقفل عليها. الليل والنهار بقى عندها واحد، تفكر في طفلها لحد ما عقلها بدأ يهرب منها... بقت تتخيل إنها بتلاعبه، بتحضنه، وبتحطله الأكل في بقه وهوا مش موجود. حتى لما خلفتني أنا، فرحتها بيّا كانت زي الدخان، ما غيرتش من وحدتها ولا طفت النار اللي في قلبها على علي ابنها.
وأنا صغيرة، كان عمري 15 سنة، كنت بشوفها بتكلم الهواء، تنادي باسم علي وتبكي، وفي يوم ميلاده تجيب حتة عيش وتحط عليها شمعة وتحتفل بيه وهي بتضحك ودموعها نازلة على خدها. وقتها ما كنتش فاهمة حاجة، لحد ما حالتها ساءت خالص... صراخ مستمر، وتكسير، وخوف من كل حاجة حواليها. أبوي ما استحملش، وبدل ما يعالجها، رماها في مستشفى الأمراض النفسية وقفل باب قصتها.
يومها أنا ما سكتش. دورت ورا السر لحد ما وصلت لست كبيرة، وكانت والدة جوز أمي الأولاني الله يرحمه. الست دي كانت طيبة أوي، ولما سألتها حكتلي كل حاجه. حكتلي عن قسوة أهل أمي وأخوات جوزها وعن طفلها اللي أخدوه منها... واللي حصل لابنها أسوء؛ عم علي كان كارهه وكان بينيمه بالجوع وهو طفل، وشغّله من صغره علشان يصرف على دراسته. بس الألعن من الجوع، إنه ملّى دماغ الولد كره لأمه، فهّمه إن أمه رمته وباعته وقبضت تمنه فلوس وراحت اتجوزت وعاشت حياتها! الجدة كانت تخاف من ابنها وما تقدرش تقول الحقيقة، وقالتلي إن من كام سنة، عم علي ده جاتله شغلانة برة البلد وأخد علي معاه يخدمهم ويساعده هناك.
من اليوم ده، وأنا شايلة جبل على كتافي. مقهورة على أمي اللي اتظلمت من كل الناس، وعلى أخويا اللي كارهها وفاكرها رمته وميعرفش إنها اتجننت بسببه. كنت بروح لأمي المستشفى كل يوم، أقعد تحت رجليها، أكلها بيدي، وأهمس في ودنها كل مرة أنا هرجعهولك يا أمي... والله هجيبلك علي لحد عندك عشان يعرف الحقيقة.
ودلوقت بعد 10 سنين أمي لسه في المستشفى وعلي معرفتش عنه حاجه، أخدت العلبة اللي فيها الأكل الدافئ زي كل يوم، ومشيت في الطرقات اللي ريحتها مطهرات وأدوية، حافظة كل شبر في المكان. وصلت لغاية باب أوضتها، بس أخصائي التمريض وقفني
استني يا آنسة، ممنوع الدخول النهاردة.
اتخضيت وقولتله
ممنوع ليه؟ أنا بدخلها كل يوم في نفس المعاد!
رد وهو بيبص في الورق اللي في إيده
الدكتور الجديد شاف ملفها وجددلها جلسات علاجية، وهي دلوقتي جوة بتاخد الجلسة.
قلبي انقبض
جلسات إيه؟! دكتور محمد اللي بيعالجها بقاله سنين قال إن حالتها نفسية ومش محتاجة أي جلسات!
قال ببرود
بس الدكتور الجديد شاف غير كده وأمر بتطبيق البرنامج فوراً.
صرخت فيه
مين الدكتور ده أصلاً؟! ومين أداله الحق يغير علاجها من غير ما يرجعلي؟!
بصلي ونبرة صوتة هادية كأنها سكين
الدكتور علي محمد خيري... خبير طب نفسي وعصبي لسه راجع من برة البلد، ولما قرأ اسم والدتك في السجلات بالصدفة، أصر إنه يستلم حالتها بنفسه ويبدأ معاها علاج خاص.
في اللحظة دي، الدنيا لفّت بيّا. الاسم رن في ودني زي صدمة كهربائية... علي محمد خيري! ده الاسم اللي بقا لي 10 سنين بحفر في الأرض عشان ألاقيه! ده الولد اللي أمه اتجننت عشان مشيت صورته من بالها... هو رجع؟ رجع بعد 30 سنة؟ رجع وهو دكتور خبير، بس محشي كره وغضب من حكايات عمه المسمومة؟!
وققبل ما أستوعب أو أرد، شق الهدوء اللي في الطابق كله صوت صرخة... صرخة مرعبة، صوت أمي! صرخة وجع وخوف عمري ما سمعتها منها طول السنين اللي فاتت.
زقيت الدكتور بقوتي كلها بعيد عن الباب، وفتحت ودخلت أجري... بس اللي شفته جوة الأوضة ما كانش جلسة علاج خالص... اللي شفته منظر خلاني أقف مكاني، إيدي سابت والأكل وقع مني ووقعت على الأرض فاقدة الوعي من الصدمة. صوت الأكل وهو بيقع على الأرض وينكسر كان آخر حاجة سمعتها قبل ما كل حاجه تحول لسواد تام...
لما فتحت عيني، ما كنتش عارفة