أنا وأختي متزوجتان
أنا وأختي متزوجتان. بعد وفاة والدي، جاءت أمي لتعيش معي، لكنني رفضت وجودها في بيتي، فلم أكن أريد أن أتحمل مسؤوليتها، ولم أفكر إلا في راحتي وراحة زوجي. كانت أمي لا تملك في هذه الدنيا غيري أنا وأختي سمر، وعندما تحدثت معي سمر عن ضرورة أن تعيش أمي مع إحدانا، لم أتردد في البحث عن عذر للتخلص من المسؤولية. قالت لي سمر بهدوء: «سآخذها لتعيش معي، فهي أمي، وهي البركة والخير الذي سيدخل بيتنا». وبالفعل أخذت سمر أمي إلى منزلها، بينما بقيت أنا في بيتي مع زوجي وأطفالي أراقب من بعيد.
كانت أمي تتقاضى معاشًا قدره أربعة عشر ألف جنيه شهريًا، وتملك شقة مسجلة باسمها تؤجرها بأربعة آلاف جنيه شهريًا، ليصبح دخلها الشهري ثمانية عشر ألف جنيه. وبسبب صعوبة حركة أمي، منحت سمر توكيلًا رسميًا لتتولى صرف معاشها وإيجار شقتها وتدبير احتياجاتها وعلاجها. في البداية لم أهتم، وقلت لنفسي إن سمر هي من تحملت المسؤولية ومن الطبيعي أن تنفق أمي من مالها. لكن مع مرور الوقت، كلما ذهبت إلى منزل سمر، كنت أجد أمي تعيش في راحة واهتمام كبيرين؛ تجلس في الصالة مرتاحة وتطلب ما تشتهيه من طعام وديلفري، وتقول لسمر: «اطلبي لك ولزوجك وللأطفال على حسابي». أما حازم زوج سمر، فكان يهتم بها بطريقة أبهرتني، إذ كان يذهب بنفسه لإحضار دوائها وأجود أنواع الفاكهة ويقشرها لها بيديه قائلًا: «أنتِ نور البيت يا أمي».
كنت أعود إلى منزلي غاضبة وأسأل نفسي لماذا تعيش أمي بهذه الراحة وينفقون من مالها. وفي إحدى الليالي، حدثت زوجي أشرف بذلك، فقال لي بغضب: «وأنتِ ساكتة على كل ده؟ معاش أمك وإيجار شقتها ملك لها، وليس من حق سمر وحدها أن تتصرف في كل هذه الأموال، أنتِ ابنتها ولكِ حق فيها». بدأت هذه الكلمات تتسلل إلى رأسي، وفي اليوم التالي توجهت إلى منزل سمر وأنا مصممة على المطالبة بما ظننته حقي.
دخلت ووجدت أمي وحازم وسمر، فقلت بقلب جامد وبصوت عالٍ: «أنا جاية النهارده علشان نتكلم عن الفلوس اللي بتدخل البيت كل شهر، المعاش والإيجار ليّ فيهم نصيب زي سمر بالضبط، ومن الشهر ده أنا عايزة حقي يوصل لبيتي، وزوجي قال كلمته وما ينفعش أتجاهلها».
سادت حالة من الصمت الثقيل، وابتسمت أمي بحزن بينما نظرت إليّ سمر بعتاب قائلة: «أنتِ بتقولي إيه يا منى؟ أمك قاعدة عندي من ست شهور، أنا اللي بتطمن عليها بالليل، وأنا اللي بجرى بيها على المستشفى وبدفع ثمن التحاليل والأشعة والدواء». قاطعتها بعصبية متهمة إياها بالمنّ، ليتدخل حازم بهدوء قائلًا: «لا يا منى، محدش بيمن على والدته، لكن أنتِ جاية تتكلمي عن فلوس أمك وكأنها تركة وهي لسه عايشة».
حين سألت أمي إن لم أكن ابنتها أيضًا، ردت بهدوء وقوة: «أنتِ بنتي يا منى وغالية عندي، لكن الفلوس دي فلوس أنا اللي تعبت فيها أنا وأبوكي عشان نوفرها، وأنا اللي من حقي أصرفها زي ما أنا عايزة. لما أبوكي مات كنت مرعوبة، لكن سمر وحازم فتحوا بيتهم من غير ما يسألوني معايا كام جنيه، أما أنتِ يومها رفضتِ إني أعيش عندك». ثم فتحت أمي ملفًا أزرق يضم فواتير علاج وتحاليل وأشعات بأرقام كبيرة، مؤكدة أن أكثر من نصف المال يذهب لعلاجها وأن حازم كان يكمل النقص من جيبه في شهور كثيرة.
ساعتها، تهاوت كل كلماتي وشعرت بخجل شديد، فوقعت دموعي وذهبت لأجلس عند قدمي أمي أطلب سماحها، فمسحت على رأسي وقالت: «الفلوس بتروح وتيجي يا بنتي، لكن اللي يوجع الأم إن ولادها يبصوا لها كأنها دفتر حسابات».
رجعت إلى البيت وحكيت لأشرف ما حدث، وحين أبدى استياءه قلت له بهدوء إنني رجعت بشيء أهم؛ رجعت فاهمة أن أمي ليست مصدر دخل بل هي نعمة. ومن يومها صرت أزور أمي بلا حساب لكل ما تصرفه، وصارت تقسّم وقتها بين بيتي وبيت سمر لأخدمها بقلبي، وأدركت متأخرة أن البركة لم تكن أبدًا في المال، بل في وجود الأم نفسها.