طلقني ياادهم

لمحة نيوز

“انفصلنا خلاص يا لمياء..” نزلت الكلمات عليا بصدمة، بصيت لأدهم بعيون مليانة حيرة ووجع: “هانت عليك سنين عمرنا يا أدهم؟ بكل السهولة دي بتنهي كل حاجة؟” رد وهو باصص بعيد ببرود: “من حقي يكون عندي ولد يشيل اسمي.. أنا صبرت معاكي سنتين، وطالما مفيش نصيب ومفيش أطفال، يبقى لازم كل واحد يشوف طريقه.” حاولت أتمسك بآخر أمل وقولتله: “كان ممكن نلاقي حلول تانية.. حتى لو قررت تتجوز تاني، كنت هقبل عشان بحبك.”

لكن رده كان حاسم: “أنا مقدرش أفتح بيتين ولا أتحمل مسؤولية اتنين، وأكيد هظلم.. عشان كده ننفصل بالمعروف أحسن، وحقوقك كلها هتوصلك لحد عندك، ومش هسيبك محتاجة حاجة.” بصيت في عيونه بكسرة وقولت: “الموضوع مش موضوع أطفال يا أدهم.. الموضوع إنك عينك على واحدة تانية.. نورا اللي معاك في الشغل، صح؟” توتره وسكوته كان أوضح من أي إجابة، كملت كلامي ودموعي بتنزل: “كنت حاسة.. وكنت متأكدة إنك بتدور على أي حجة عشان تبعدني عن طريقك عشانها.”

سكت لحظة وقال ببرود: “حاولت اتأقلم يا لمياء، بس مشاعري كانت في مكان تاني.. وهي مش هتقبل بوجودك، وأنا عايز أبدأ حياة جديدة.” مسحت دموعي ورفعت راسي بكرامة: “هدومي هتكون جاهزة، وكل ورقة تربطني بيك توصلني على بيت أهلي.”

رجعت بيت أهلي والدنيا مقفولة في وشي.. كنت مصدومة من قسوة الراجل اللي اديته كل الاهتمام والحب وباعني في لحظة. لكن أختي صفية فضلت ورايا لحد ما بدأت أستعيد قوتي:

“كفاية حزن يا لمياء.. اللي يبيعك بالرخيص ميبقاش ليكي فيه نصيب.. اقفي على رجلك، إنتي لسه شابة وجميلة والحياة قدامك.” وفي نفس الوقت، كان أدهم بيجري ورا نورا.. اتجوزها ودفع مبالغ ضخمة عشان يرضي طلبات والدها اللي كان هدفه مادي بحت، وعمل فرح ضخم عشان يبهر الناس.

في يوم الفرح، كان أدهم قاعد جنب نورا في الكوشة وفرحان باللي وصله، لكن فجأة وشه اتغير واتصدم لما شافني داخلة القاعة..

قام من مكانه مذهول: “لمياء؟! إيه اللي جابك هنا؟” وقفت قدامه وبصيت في عيونه بنظرة قوة وثبات ميعرفهاش عني، ورميت في وشه ظرف كبير فيه كل الفحوصات الطبية، وصوتي كان واضح لكل الحاضرين: “جاية أديك الهدية دي في يوم فرحك.. الفحوصات الأخيرة من أكبر الأطباء بتأكد إني سليمة تماماً ومفيش أي مانع للخلفة.. والمشكلة كلها كانت عندك إنت من البداية! أنا كنت بسكت وبتحمل وبحط العيب فيا عشان محبتش أحرجك.. لكن إنت متستاهلش حتى التضحية.”

الصدمة شلت أدهم، والهمسات انتشرت في كل القاعة.. بص لنورا مستني منها أي كلمة، لكن ملامحها اتحولت لغضب وسخرية، ورمت دبلتها في الكوشة وقالتله بعصبية: “إنت كنت مخبي عليا الحقيقة دي؟! أنا مستحيل أكمل معاك، والمؤخر والشروط الجزائية هتدفعها بالكامل!” سابت القاعة ومشيت هي ووالدها، والمعازيم انسحبوا واحد ورا التاني. بص أدهم حواليه ملقاش حد.. كان قاعد لوحده بالبدلة، والندم بياكل في قلبه بعد ما خسر الست الوحيدة اللي حبته بجد عشان سراب ضيعه.

أما أنا.. فخرجت من القاعة بخطوات ثابتة وابتسامة راحة، بعد ما قفلت الصفحة دي وسبت ورايا كل الوجع وبدأت حياة جديدة كلها كرامة. مرت الأيام والشهور، ولم تكن مغادرتي لتلك القاعة مجرد خروج من حفل زفاف فاشل، بل كانت عبوراً حقيقياً إلى حياة جديدة تماماً. أغلقت خلفي باب الماضي وألقيت مفتاحه في بئر النسيان.

قررت ألا أترك دقيقة واحدة للحزن أو التردد؛ اتفقت مع أختي صفية على استثمار طاقتي في مشروع تصميم وديكور منزلي لطالما حلمت به وتخليت عنه سابقاً لإرضاء أدهم. عملت ليل نهار بعزيمة لا تلين، وخلال عامين تحولت ورشتنا الصغيرة إلى علامة تجارية معروفة ولها اسمها المرموق في السوق. استعدت بريقي، ونضجت شخصيتي، وأصبحت لمياء المرأة المستقلة الواثقة التي لا تنتظر تقديراً من أحد، بل تفرضه بنجاحها وأخلاقها.

في المقابل، كانت حياة أدهم تنحدر بخطوات متسارعة نحو الهاوية. لم تكتفِ نورا ووالدها بفض الزواج في ليلته، بل لاحقوه بقضايا وشروط جزائية قاصمة استنزفت كل مدخراته وراتبه في الشركة. خسر سمعته في محيط عمله، وأصبح محاصراً بالديون والوحدة، يطارده شبح الندم في كل زاوية من حياته الفارغة بعد أن أدرك أنه تنازل عن الجوهرة الحقيقية في سبيل مظهر زائف.

في أحد الأيام، وبينما كنت أشرف على تجهيز معرض كبير لإحدى الشركات الكبرى، لفت انتباهي رجل يقف عند مدخل القاعة بهيئة منهكة وثياب باهتة ووجه تملؤه ملامح الانكسار. تقدم بتردد، وبصوت مرتعش نادى باسمي:

“لمياء.. معقول؟ مش مصدق إني شايفك بالنجاح ده كله.” نظرت إليه بهدوء تام، لم يعد في قلبي أي ذرة غضب أو كراهية، فقط حياد مطلق كأنه عابر سبيل غريب: “أهلاً يا أدهم.. خير، في حاجة أقدر أساعدك فيها؟” سقطت دموعه في صمت، وحاول الاقتراب بخطوة متوسلة: “أنا خسرت كل حاجة من بعدك يا لمياء.. الديون دمرتني، ونورا طلعت أكبر مقلب في حياتي.. مفيش يوم بيعدي من غير ما ألعن غبائي وأنانيتي.. إنتي كنتِ السند والنعمة اللي مكنتش حاسس بقيمتها.. أرجوكي سامحيني، خلينا نرجع ونبدأ من جديد، والله هعوضك عن كل لحظة وجع.”

ابتسمت ابتسامة هادئة تعكس سلاماً داخلياً لا يتزعزع، ورفعت رأسي بكبرياء: “الرجوع مش مطروح يا أدهم، والصفحة اللي اتقفلت مبقتش موجودة في كتابي أصلاً. أنا مش شمتانة فيك، ولا زعلانة منك، لأن التجربة دي هي اللي خلتني أعرف قيمتي الحقيقية وأوصل للي أنا فيه النهاردة. أنا سامحتك عشان راحتي أنا، لكن طريقي غير طريقك.” نكس رأسه خجلاً دون أن يملك رداً، وانسحب بخطوات ثقيلة يجر أذيال خيبته، بينما التفتُّ أنا نحو فريقي لاستكمال العمل، واثقة بأن الله لا يضيع صبر الصابرين، وأن العوض دائماً يأتي أجمل مما نتمنى.

تم نسخ الرابط