عزومة حماتي
سكت الخط دقيقتين كاملين، وبعدين حماتي قالت بصوت مذهول: "إنتِ قطعتيهم؟!"
بصيت على صينية التفاح اللي عند ماما، وأخويا زياد كان بياكل التانية وهو بيمضغ في طبق ورق وبيعمل نفسه مش سامع. قلت لها: "أيوة، الناس كانت جعانة." قالت: "يا نور، أنا قايلة للكل إنك إنتِ اللي عاملة الحلو!" رديت: "وأنتِ قلتِ لي إن الجاهز شكله هيبقى أحسن." قالت: "أنا مكنش قصدي كده!"
طبعاً كان قصدها كده بالضبط، بس أنا كنت تعبانة ومش قادرة أوجع قلبي في مناقشة على الكلام. زياد -قصدي كريم- خد التليفون منها وقال بصوت واطي: "أنا آسف.. كان مفروض أوقفهم أول ما فتحوا بوقهم."
الكلمة دي فرقت معايا أكتر ما هو متخيل. سنين طويلة والعزومات عند أهله ماشية على نفس المنوال: حماتي تخطط لكل حاجة، أختي ميرفت تنتقد أي حاجة مش هي اللي مختراها، وباقي العيلة تضحك وتهزر عشان محدش يعمل إحراج. وأنا كنت دايماً بعديها، أخد الأكل معايا، أساعد في التنظيف، أبتسم للكلمتين البايخين وأروح وأنا دمي حرقني. بس المرة دي، أنا شلت الحاجة اللي كانوا بينتقدوا فيها وريحت دماغي.
سمعت حماتي في الخلفية وهي بتسأل كريم: "يعني مافيش صينية واحدة سليمة باقية؟" رديت عليها: "مافيش."
وده كان حقيقي إلى حد ما. صينية البلح كان لسه فيها تلات حتت، بس بعد المكالمة دي ماما قطعت واحدة منهم بالنص بهدوء واديتها للجارحة أم أحمد كأنها بتخبي أدلة جريمة. كريم ضحك بضيق وهو في التليفون. حماتي صرخت: "بتضحك على إيه؟" قال: "ولا حاجة."
بعدها ميرفت خطفت التليفون وقالت بعصبية: "نور، ده بجد جنون.. تقليد فطير التفاح بتاع ستو هيلين هيبدأ كمان عشر دقايق." كنيت حواجبي بستغراب وقلت: "فطير إيه؟"
كل سنة في العيد، عيلة كريم بتحط كارت صغير جنب صينية فطير التفاح عشان جدتهم كانت مشهورة بعملها. كنت عارفة المعلومة دي، بس مفيش بني آدم قال لي إن الصينية نفسها كانت مهمة! ميرفت قالت وهي منرفزة: "أصل بابا كان هيعمل كلمة، ولقى كارت الوصفة القديم بتاع ستو النهاردة الصبح."
بطني قبضت عليا وقلت: "استنى.. هو أنا كان مفروض أعمل الوصفة بتاعتها؟" سكتت شوية وقالت بصوت مكسور: "لا.. أمي مكنتش عايزة تقول لك عشان خافت تتوتر." غمضت عيني وقعدت أقول في نفسي: "يعني لبستوني شغل الحلو، وخبصتوا عني الجزء المهم، وأول ما جيت قعدت تنتقدوا التعب، ودلوقتي زعلانين عشان أخدت صواني ومشيت؟!" قالت: "إنتِ كده بتهولي الموضوع." رديت: "لا يا ميرفت، أنا بقول الواقع." ولأول مرة مقدرتش ترد بكلمة.
بعد ما قفلت، ماما قعدت جنبي وقالت لي: "راجعة تاني؟" قلت لها: "لا." قالت: "كويس." بصيت لها بستغراب وقلت: "بالسرعة دي؟" هزت كتافها وقالت: "هما مكنوش عايزين الفطير وهو مرتبط بتعبك ومشاعر، ودلوقتي عايزينه بس عشان الضيوف قاعدة باصة."
الجملة دي فضلت لازقة في دماغي.
على الساعة تسعة، كريم جه بيت ماما لوحده. كان ساب بيت أهله أول ما خلصوا كلام. طلع إن حماتي حطت ستاند تورتة فاضي في نص الترابيزة وقالت للعيلة إن حصل "سوء فهم". مرات خالو سألت إيه اللي حصل، وميرفت قالت إني اتضايقت من نقد بناء، وهنا كريم صحح لها قدام الكل وقال قدامهم على اللي حصل بالحرف.
وحسب كلامه، المكان سكت تماماً، وبعدين أبوه صبري بص لحماتي وقال لها: "إنتِ قلتِ لها إن الجاهز أحسن بعد ما قعدت تكتك وتعمل تلات صواني بيدها؟" حماتي حاولت تبرر، بس صبري هز راسه بسكوت. والأسوأ بقى إن فيه قرايب كانوا شافوا صور الحلو بتاعي قبل ما أنزل، وخالتو لورا قالت لهم: "فطير نور دائمًا بيبقى شكله بيتي.. وده أصلاً سر حلاوته."
كريم قعد جنبي على الكنب وقال لي: "أنا مش بطلب منك تسامحي حد النهاردة.. بس هم عرفوا إنهم هبدوا وغلطوا." في اللحظة دي تليفوني زمر برسايل جديدة. دي كانت رسالة جماعية على الجروب من حماتي: "بكرة.. غداء مع بعض. تعالي والنبي، إحنا مديونين لك باعتذار."
وبعدها بثواني نزلت رسالة تانية: "وممكن بلاش تفرضي في حاجة وتجيبي معاكي حاجة؟"
قعدت باصة للشاشة ومش عارفة أضحك ولا أزعل!