رفضت ادي حماتي فلوس
الصبح بدري، جوزي حاتم دخل عليا زي القطر المكهرب ومولع نار، عشان رفضت أدي أمه فلوس تاني.
قال لي وهو بيزعق وعروق رقبته نافرة: "زمانها جاية على الظهر.. جهزي السفرة، واعملي حسابك تعتذري لها وتلمي لسانك!" الساعة اتناشر بالدقيقة، جرس الباب ضرب. علّيت صوتي بقصد وقولت: "اتفضلوا!" ومن اللحظة اللي خطو فيها جوه البيت... كل حاجة اتغيرت.
بس تعالوا أرجعكم كم ساعة ورا، عشان تفهموا الحكاية من أولها.
النهارده بدأ من ساعة ما خبط باب أوضة النوم بعنف لدرجة إن صورة فرحنا اللي معلقة على الحيطة اهتزت وكأنها هتقع. كنت لسه فاتحة عيني بالعافية على نور الشتا الباهت اللي داخل من الشباك. صرخ فيا وهو بيشد الغطاء بقسوة: "قومي! فاكرة نفسك هتقللي من احترام أمي وتفضلي نايمة في السرير كأن مفيش حاجة حصلت؟"
قعدت مفزوعة وقلبي بيدق بجنون. بصيت له، كان وشّه متشلوح من الغضب؛ الغضب الأعمى اللي بيبقى عند الواحد لما يكون حكم وخلاص من غير ما يسمع. قلت بصوت لسه رايح من النوم وناشف: "مش هدّي أمك فلوس تاني يا حاتم.. أنا قلت لك امبارح بليل، والكلام ده ما تغيرش ومش هيتغير."
ضحك بسخرية مجروحة: "حاجة لا تصدق بجد! دي كل الحكاية كانت محتاجة سلفة مؤقتة، كم يوم وتعدي." رديت بصوت حاسم: "خمسين ألف جنيه يا حاتم! دي مش سلفة، ده رقم بيتبني بيه بيوت." "يا ستي طلبت المساعدة من أهلها ومن ابنها!" "هي طلبتها مني أنا بالذات عشان عارفة إنك مفلس وجيبك فاضي."
الجملة دي نزلت عليه كالصاعقة. وجعته في رجولته، وفكّه شدّ من العصبية لدرجة حسيت إن سنانه هتتكسر.
طول ست سنين جواز، كنت قاعدة أتفرج على أمّه، الست مديحة، وهي بتحوّل كل مصيبة لخراب بيوت علينا إحنا. مرة سخان خربان وعايز يتغير كله، مرة تصليحات لعربيتها اللي مبتنزلش أصلاً، مرة ديون جمعيات متأخرة، وكل حاجة محطوطة تحت مسمى "حالات طوارئ مؤقتة" والمفروض إننا نشيل الشيلة. مرتين بس وافقت أساعد. أول مرة لما حاتم حلف لي إنها هتسدهم خلال شهر من قبض المعاش، وتاني مرة لما الست مديحة دخلت مطبخي وقعدت تعيط بحرقة وتقول لي بصوت مسكين: "أنتِ يا بنتي زي بنتي اللي ما خلفتهاش، ربنا يبارك لي فيكم."
والمرتين؟ الفلوس طارت وكأنها تراب في الهوا. والمرتين القصة اتغيرت وبقت إننا "عيال قاسية وبخلة ومش حاسين بمرضها وظروفها". وكان مطلوب مني دايمًا أبلع سكيتى، وأبتسم في وشها، وأعدي الموضوع عشان "عشان خاطر أمي يا ميادة".
بس المرة دي.. السكينة طردت العفش. المعارضة وصلت لآخرها.
كرر كلامه وهو بيشاور بصوابعه في وشي: "زمانها جاية على الظهر.. هتجهزي السفرة، وتعملي صينية رقاق من اللي بتعمليها، وتعتذري لها قدام نفسها." بصيت له بثبات: "على إيه بقى إن شاء الله؟" "على قلة أدبك معاها. وعلى إنك معاملتها كأنها نصابة ولا بتشحت." نزلت من السرير ببطء، ووقفت قصاده طولي من طوله، وقلت له بكل برود: "لو هي مش عايزة المعاملة دي، تبطل تطلب فلوس عمال على بطال وهي من جواها عارفة أنها مش ناويّة ترجعها أصلاً."
ساعتها، ملامح وشّه اتغيرت للأسود. مبقاش جوزي حنان وحب زمان، بقى شخص تاني غريب عني. قرب مني خطوة، لحد ما بقيت أشم ريحة قهوته الصبحي. "أنتِ اتجننتي! مش من حقك تتكلمي عن أهلي بالطريقة دي في بيتي أنا." ضحكت بسخرية وقعدت أثبت عيني في عينه: "بيتنا يا حاتم.. مش بيتك لوحدك. وأنا دافعة نص تمن الشقة دي من ورث أبويا ومن تعبي في الشغل."
وهنا.. أعصابه خانته، وزقني. مش الزقة اللي تقعني في الأرض وتجيب دمي، لأ.. بس كفاية إنه يرميني بكل قوته أخبط في خشب التسريحة. الخبطة وجعت ظهري، بس الأكتر من الوجع.. إن الدنيا وقفت فجأة. صوت الهوا في الشقة سكت. اتسمرنا إحنا الاتنين في مكاننا. ثواني طويلة مرت وكأنها دهور. بصيت له، مفيش نقطة ندم في عينه.. مفيش حتى لمعة خوف إنه أذاني. كان بس بيفكر في رد الفعل. هو عارف هو عمل إيه كويس.. وعارف إن الخط الأحمر ده مفيش رجعة فيه.
عدل قميصه ببرود كأن مفيش أي حاجة حصلت خالص، وقال بصوت أهدى كتير، بس يحمل وعيد: "الساعة اتناشر.. هتصلحي اللي عملتيه ده، وهتكوني أحسن مرّة في الدنيا." وسابني وخرج من الأوضة، وبعدها سمعت باب الشقة بيقفل وراه بعنف.
فضلت واقفة مكاني ثواني، ماسكة في حرف التسريحة بإيدي الاتنين عشان أخد نفسي اللي كان مقطوع، وأثبت رجلي اللي كانت بتترعش. وبعدها.. حسيت إن الدم رجع لعروقي، بس بارد وهادئ جداً. فتحت درج التسريحة، مسكت تليفوني، وعملت مكالمة تليفونية كان مفروض أعملها من سنين، من أول يوم حاتم استغل فيه طيبتي.
على الساعة اتناشر إلا ربع، كانت السفرة مترتبة بالشكل "المثالي" اللي هو طلبه. الأطباق مترتبة، والشفالق محطوطة، وكل حاجة بتلمع. الساعة اتناشر بالدقيقة، جرس الباب ضرب. دقات معتادة، رزينة، فيها تعالي أهل البيت. وقفت في الصالة، ابتسمت ابتسامة خفيفة ملهاش أي معنى طيب، وعلّيت صوتي بما فيه الكفاية عشان اللي واقف بره يسمعني، وقولت: "اتفضلوا! الباب مفتوح!"
ومن اللحظة اللي حطوا رجلهم فيها جوه شقة المدخل... كل حاجة في حياتي وحياتهم اتغيرت للأبد.
الست مديحة دخلت وهي رافعة راسها للسماء، وراها حاتم اللي كان بيبص لي بنظرة تحذير أخيرة. بس أول ما بصوا قدامهم في الصالة، فكّه شدّ من الصدمة، وعينه وسعت لآخرها.
على كنبة الصالة الكبيرة، كان قاعد خالتي نادية، ومعاها المحامي بتاع عيلتنا الأستاذ رأفت، ومعاهم أمين الشرطة اللي جاي من قسم الشرطة التابع لينا ومعه محضر رسمي.
حماتي وقفت في نص الصالة مذهولة وهي بتبرق: "إيه ده؟! مين دول؟ وفيه إيه؟" بصيت لحاتم اللي لونه خطف وبقى أصفر زي الليمون، وقلت بصوت هادي وواضح سمعته الشقة كلها: "أهلاً يا طنط.. نورتي بيتي اللي أنا دافعة نص تمنه، واللي ابنك لسه زاوقني فيه من ساعة، عشان رفضت أدي حضرتك الخمسين ألف جنيه بتوع الجمعية الوهمية اللي عمري ما شوفتها.. وطبعاً المحاضر القديمة بتاعة إيصالات سحب الفلوس بالنصب متسجلة هنا، ومعانا الأستاذ رأفت والمحضر اللي يثبت كل قرش خرج من جيبي لجيوبكم على مدار الست سنين اللي فاتوا."
حماتي بصت لحاتم بصة رعب، وهو كان بيبلع ريقه بصعوبة ومش قادر ينطق حرف واحد، كأنه اتبلع لسانه. قعدت على الكرسي الهزاز بتاعي بكل ثقة، وطلعت إيصال أمانة جديد قديم، وقولت للأستاذ رأفت: "اتفضل يا أستاذنا.. ابدأ الشغل، وشكل العيلة دي هتصيف في مكان تاني خالص غير هنا."
ومن اليوم ده، انتهت حكاية "ستي وستك وإرضاء حماتي بالغصب"، وبدأت صفحة جديدة في حياتي أنا لوحدي.. صفحة مفيهاش خوف ولا إهانة، وصفحة عرفت فيها قيمة نفسي كويس أوي.