تؤام روحي

لمحة نيوز

الطبق اتزحلق من إيدي المرتعشة واتكسر لمية حتة على بلاط المطبخ الأبيض قبل حتى ما أستوعب أنا وقعته ليه أساساً. حفيدتي سلمى، اللي لسه في الثامنة من عمرها، كانت واقفة جنب الترابيزة مكانها كأنها تمثال، مرعوبة من صوت الكسر، ولابسة فوق هدوم المدرسة بلوفر بيج واسع قوي عليها، مرسوم على صدره وردة عباد شمس صفراء منورة وزاهية كأنها لسه معمول إمبارح. ورقة واحدة بس من الوردة دي كانت بني، وغلطانة تماماً، بنفس الشكل والوصف اللي محفور في ذاكرتي من يوم عيد ميلادنا الستاشر في صيف 1986. سلمى كانت فاكرة إنها عملت مصيبة وهتتعاتب، بس أنا مكنش في إيدي أي قدرة حتى على النطق، وبصوت مخنوق طلبت منها تخلعه فوراً. فسرت لي بتردد إن ست اسمها "دودي"، وهي عاملة نظافة جديدة لسه متعينة في المدرسة، هي اللي ادتهولها لأنها كانت بردانة في الفصل. وقبل الحكاية دي بأربعين سنة بالتمام والكمال، توأم روحي ونصف الثاني ليلى اختفت من حياتنا، وكنت قضيت عقود من عمري عمالة أسأل نفسي كل ليلة لو في يوم هعرف إيه اللي جرى لها، أو لو كانت عايشة أساساً.

سلمى مدت إيديها البسيطة وادتني البلوفر، وبأصابع كادت تفقد السيطرة قلبت الياقة للناحية التانية. حروفين باهتين جداً بلون أحمر قديم—ل. م.—كانوا لسه مطروزين بخيوط ماما القديمة جوه التلبيس. وساعتها سلمى رددت ببراءة أطفال حاجة دودي كأنها وصتها عليها: "قالت لي كمان يا تيتا إنك لو عرفتيه، لازم تبصي جوه". وتحت وردة عباد الشمس الكبيرة، وبالتحديد تحت طبقة الصوف، لقيت خياطة مخفية دقيقة جداً ومكنش ممكن تلاحظها العين العادية، وجوه الفتحة الصغيرة دي كان فيه تعليقة خشبية قديمة على شكل وردة عباد الشمس الصغيرة، بابا الله يرحمه كان حفرها بإيده وإحنا لسه عيال صغيرة بنلعب في الطين. افتكرت التعليقة دي كويس قوي وبكل تفاصيلها لأن بابا كان ماسكها وعمال يفركها بين إيديه بقسوة الليلة اللي ليلى طارت فيها من البيت ومجتش تاني. وفي خلال ساعة واحدة كنت راكبة عربيتي ورايحة على مدرسة سلمى، وعازمة ألاقي الست اللي اسمها دودي دي.. وأول جملة نطقتها هناك كانت كفيلة تخلي كل قناعاتي وسنين العذاب والحيرة تتصدع وتنهار فوق دماغي.

دودي قالت لي بهدوء وهي باصة في عيني إنها بنت ليلى، وفاجأتني بالكلمة اللي هزت ثباتي: أختي ليلى لسه عايشة، وقريبة مني جغرافياً أكتر بكتير مما كنت أتخيل في أفظع كوابيسي. ليلى هربت وهي لسه مراهقة عندها ستاشر سنة مع شاب كان بيحبها اسمه طارق، بعد ما بابا قفشهم واقفين بره بيتزايدوا مع بعض ليلة عيد ميلادنا، وخرج عن شعوره وقال لها بصوت مسموع وغاضب إنها لو تجرأت وطلعت من الباب ده مترجعش تاني أبداً. بعدها بست سنين، وتحديداً في سنة 1992، ليلى رجعت بروح مكسورة ومعاها طفلة صغيرة عندها سنتين اللي هي دودي، وكانت راجعة تفتح صفحة جديدة وتصلح الأمور عشان ترجع لحضن عيلتها، بس للأسف بابا هو اللي فتح الباب وقت ما أنا وماما كنا بره في السوق، ورفض نهائي يخليها تدخل أو حتى تبص في وش ماما، وقف في وشها وقفل الباب بخشونة. وطول السنين دي كلها، سابني أنا وماما عايشين في وهم وظلام إن ليلى اختفت وظروف غامضة خدتها منا وخلاص، ومكنش فيه لا محامي كبير بينصحه، ولا مشاكل تأمين معقدة، ولا نزاع على ميراث ولا بيوت، ولا حتى قرار محكمة رسمي بيمنع ليلى من حقها في بيتها. فلما واجهت بابا وهو عجوز في أواخر أيامه وعنده تسعين سنة في دار المسنين، اعترف أخيراً بكل برود وبدون حتى دموع إنه خد القرار اللعين ده لوحده وبدماغه الناشفة. واعترف كمان إن ليلى في المرة دي سألته بدموع لو كنت أنا كارهة وجودها ومش عاوزاها، وهو بكل قسوة عمره ما نقل لها إني فضلت سنين أدور عليها في كل مكان، ولا قال لها إن ماما ماتت وهي لسه مؤمنة بإن بنتها هترجع تخبط على الباب في يوم.

بابا قعد يعيط في الآخر لما الحقيقة المرعبة طلعت للنور واتكشفت، بس أنا من جوايا كنت عارفة كويس إن اعتراف متأخر زي ده مش هيفيد بشنطة، ومش هيقدر أبداً يشيل وزر أربعين سنة كامية من السكوت والظلم والوجع. ليلى وقت ما مشيت أول مرة كانت مجرد مراهقة خايفة ومرعوبة ومش عارفة مصلحتها منين، وكنت ممكن أسامحها على الطيش ده بحكم سنها الصغير. بس هي بعد كده كبرت وبقى عندها 30 سنة، وبعدها 40، وبعدها عدت الـ 50، ومع ذلك عمرها ما حاولت تتصل بيا أو تدور علي وتوصل لبيتي بنفسها. دودي وهي ماشية عرضت عليا أخد رقم تليفون ليلى وأكلمها فوراً، بس أنا وقفت مع نفسي وقفة صعبة وقررت إني مش هكون أبداً أنا الطرف اللي هيعمل المكالمة الأولى ويجري ورا السراب بعد ما ضيعت أغلب سنين عمري في البحث عنها والبكاء على أطلالها. تلات أسابيع كاملة عدت من غير ولا كلمة ولا حتى رنة تليفون. وفي يوم حد رايق، سلمى دخلت عليا وسألتني ببراءة بريئة لو أنا لسه مستنية خالتو تيجي، فوقعت عيني تاني على بلوفر عباد الشمس المعلق على الكرسي، البلوفر اللي قلب حياتي وحياة عيلتنا فوقاني تحتاني. وساعتها حسيت بيقين غريب إني مبقتش مستنية حد خلاص. لو ليلى في يوم حبت تتصل وتفتح صفحة جديدة، أنا موجودة وهسمعها للآخر، لكن مستحيل أسمح لسنة ثانية من عمري الضايع إنها تلف حوالين سكوت شخص تاني واختياره للبعد. زي ما قلت لسلمى وأنا باصة قدامي بثبات: "فيه فرق كبير قوي يا بنتي بين انك تسيبي باب بيتك مفتوح لأي غريب، وبين إنك تقضي عمرك كله واقفة جوه نص الباب مستنية شبح مش هيجي".

تم نسخ الرابط