في العزومة الكبيرة بتاعت ليلة رأس السنة

لمحة نيوز

موبايل سارة بدأ يزغد ويهز بعنف جنب الكوتشي البربري الجديد قبل حتى ما حد في الصالون المزدحم يفهم أنا عملت إيه. من دقايق قليلة، كانت لسه واقفة بكل غرور قدام تلاتة وعشرين فرد من العيلة، وبتعلن بصوت عالي يملأ المكان إني شخصية فاشلة وكل شوية بشحت منها وفلّاسة. كانت عايشة في فيلّا فخمة في التجمع، وراكبة عربية موديل السنة، وبتنزل على السوشيال ميديا صور صيفها في الساحل ودبي وشنط ماركات عالمية، بينما أنا كنت بلبس أهدى لبس ممكن وقاعدة في شقة إيجار متواضعة في وسط البلد.

اللي عيلتي تجاهلوه تماماً وبكل بساطة، إني كنت بقبض ما يقارب المليونين ونصف سنوياً كمديرة حسابات مالية في شركة استثمار كبرى، وكنت بفضل دايماً أعيش ببساطة على المنظرة الكدابة. واللي مكنوش يعرفوه أبداً، إن سارة كان وراها جبل من الديون السرية اللي مخبياها عن الكل، وعلى مدار أربع سنين كاملة، كنت أنا البنك الخفي اللي بيغطي وراها ويدفع بهدوء مبالغ تعدت المليون وتسعمائة ألف جنيه من تعب عمري.

بداية الكارثة دي كلها كانت بمكالمة استغاثة متأخرة بالليل، لما طلبت مني أدفع لها قسط فيزا بـ 45 ألف جنيه تقريباً عشان تشطيبات المطبخ اللي خافت جوزها شريف يعرف بيها. الطلب المؤقت ده اتحول بالتدريج وبدون ما أحس لست تحويلات دورية ثابتة أول كل شهر بإجمالي 180 ألف جنيه شهرياً، بتغطي بطاقات ائتمان مالهاش آخر، وقسط قرض شخصي لتمويل مشروع وهمي خسرته، وتأمين عربيتها الفارهة، ومصاريف تانية كتيرة.

وفي ليلة العزومة، لما استغلت القاعدة عشان تطلعني أنا المقصرة والمبذرة قدام ماما وبابا، وأهلي هزوا راسهم بالموافقة وكأن كلامها منزل، حسيت إن فيه حاجة جوايا اتكسرت وسكتت تماماً. مديت إيدي في شنطتي بهدوء، وفتحت تطبيق البنك على الموبايل، وبكل ثبات وبدون ولا كلمة ترتيل، لغيت كل التحويلات المجدولة الستة واحدة ورا التانية. وفي خلال تسعين ثانية بس، كان موبايل سارة بينور ويطفي ورا بعضه بإشعارات فشل عمليات الدفع.. لحد ما شريف بص لها باستغراب وسألها بصوت عالي: "إيه يا سارة، مال إيديك بتترعش كده ليه؟".

في نفس الليلة، بعد ما رجعت شقتي الهادية، قعدت على اللاب توب ونزلت كشف حسابات الأربع سنين اللي فاتت كلها، وحفظت كل رسالة سارة بعتها لي بتوعدني فيها إنها هترجع الفلوس أول ما تنفرج. السجلات والرسائل كانت واضحة وصريحة، وموضحة بالأرقام إزاي مصاريفها الطائلة وديونها اللي ما بتخلصش عطلت استثماراتي الشخصية، وأخرت خطوة شراء شقتي الخاصة اللي كنت بحلم بيها سنين.

لما شريف واجهته بالحقيقة وفتح الحسابات المخفية دي قدامه، صدمته كانت كبيرة لدرجة إنه اعتذر لي نيابة عنها وواجهها بإجمالي المبلغ المرعب اللي وصل لأكتر من 4 مليون جنيه ديون متراكمة. ماكنش فيه أي داعي لمحاكم ولا قضايا لأن الديون دي كلها كانت مسجلة باسمها قانوناً، بس تصليح ميزانية بيتهم المنهار كان محتاج قرارات صارمة ومؤلمة جداً. شريف خد قرارات حاسمة: لغي كل سفرياتهم وبرستيجهم الكداب، باع عربيتها الفارهة، وحط البيت كله تحت ميزانية صارمة وقاسية، وأصر إنها تنزل تشتغل بنفسها عشان تحس بقيمة القرش. وأنا من ناحيتي، قفلت باب المساعدات نهائية ورفضت أفتح حسابي تاني أو أستر وراها أي سر.

سارة فضلت مقاطعة فترة، لحد ما جاتني في البيت بعد شهور طويلة واعتذرت بدموع الندم، مع إني كنت واضحة معاها جداً ووضحت لها إن كذبها المستمر - مش حدودي اللي حطيتها فجأة - هو اللي دمر بيتها وخرب حياتها. في أول تجمع عائلي بعد الأزمة دي، مدت إيديها وادتني ظرف فيه 25 ألف جنيه، مع ورقة كاتبة فيها بخط إيدها وعد أنها هترجع كل مليم دفعته حتى لو خد منها 16 سنة قدام. ومن ساعتها وهي بتبعت المبلغ ده بانتظام كل شهر، وقدرت تقلل حجم ديونها لحد ما وصلت لـ 3 مليون ونصف.

علاقتنا ببعض بقت رسمية جداً وفي حدود صلة الرحم وبس، وفكرة بناء الثقة من جديد محتاجة سنين طويلة أكتر بكتير من مجرد رجوع الفلوس. وفي وسط كل ده، ما أنكرش إني استغلت خبرتي المالية دي في حاجة مفيدة، وساعدت بنت خالي جنى ترتب قروض الدراسة بتاعتها وتفهم إزاي توفر مبلغ محترم في الفوايد البنكية المركبة. إنهاء التحويلات دي مخربش العيلة زي ما كان بيتهزالي، ولا هدم حد؛ كل الحكاية إنها أجبرت كل شخص في العيلة دي أنه أخيرًا يشيل المسؤولية بنفسه، ويبطل يتكئ على كتافي اللي شالت حمل مش بتاعها سنين طويلة لوحدها.

تم نسخ الرابط