كرتونة الطرود

لمحة نيوز

المج وقع من إيد كريم أول ما وقعت عينه على اللصقة القديمة اللي على الكرتونة. بعد خمس عشرة سنة من يوم ما سيبنا شقة 3ب، طرد متبهدل ومكتوب عليه اسم جوزي وصل فجأة ضمن كرتونة طرود مش أصحابها اشتريناها بـ 79 دولار عشان نلعب ونتسلى. لحد اللحظة دي، كانت سهرتنا لطيفة ومليانة ضحك واحنا بنفرز شرابات على شكل أفوكادو، وكفرات موبايلات بتلمع، وأدوات مطبخ ملهاش أي لازمة. أنا وكريم ضحكنا زي الأطفال واحنا بنطلع المفاجآت الرخيصة دي. بس أول ما شلت الطرد الأخير ده، كل ضحكة وهزار طاروا من على وش كريم تمامًا. قرب مني بسرعة وقعد يترجاني ما ألمسوش. ولأول مرة من ساعة ما اتجوزنا من حوالي 17 سنة، أشوفه مرعوب بالشكل ده.

كريم رافض يفسر أي حاجة، عشان كده حبست نفسي جوه الحمام وقعدت أشيل اللزق الأصفر بإيدين بتترعش. تحت ورق المناديل البني، لقيت جوز جزمة كلاسيك سودا متصلحة بعناية وكويسة. كانت مليانة كرمشة وعليها آثار لبس واضحة من قدام، والأكيد إنها أقدم من جوازنا بكتير. أول ما فتحت الباب، لقيت كريم قاعد ضهره مسند على حيطة الطرقة برة. اعترف إن الجزمة بتاعته فعلاً—بس رجع قال إنها بتخص أربع شهور كاملين من جوازنا اتبنوا على كدبة كبيرة.

كريم أخدني بالعربية لحد حينا القديم ووقف جنب محطة أتوبيس قديمة ومبهدلة. حكالي إنه بعد جوازنا بتلات شهور شغله استغنى عنه، بس هو كمل يلبس هدوم الشغل وينزل كل يوم الصبح كأنه رايح شغله عادي. ولحوالي أربع شهور، كان بيقضي يومه كله في المكتبة، ومكاتب التشغيل، وفي مقابلات الشغل، في الوقت اللي كنت أنا فيه فاكرة إننا الاتنين بنقبض ونشتغل. في وقت من الأوقات مكنش فإيدنا غير ١٢ دولار بس، ومع ذلك كان أوقات بيوتأنى في الغداء ومبياكلش عشان ما يخوفنيش على الإيجار، أو التأمين، أو مستقبلنا المالي المجهول.

الجزمة اتقطعت قبل مقابلة شغل، و«عم سيد»، الراجل البسيط اللي بيصلح أحذية في المنطقة، صلحها له من غير ما يدفع له الفلوس ساعتها. ولما ربنا فرجها ولقى شغل، كريم راح له ودفعه الحساب، وطلب منه يشحنها له البيت عشان يعترف لي بكل حاجة يوم عيد جوازنا. بس الطرد ضاع بعد ما نقلنا شكتنا، وهو ساب اختفائه يبقا حجة تانية عشان يتهرب. مكنش فيه محامي، ولا قضايا، ولا مشاكل في قسط الشقة، ولا استثمارات سرية، ولا تركة متخبية—كل الحكاية كان خوف، وجوز مكسوف يعترف إنه محتاج مساعدة.

في طريق رجوعنا، قلت لكريم إني كنت هقلق طبعًا، بس كنت هبقى قلقانة وأنا جنبه ومعاه. بعد سكوت طويل، اعترف لي إن الإدارة اللي شغال فيها دلوقتي داخلة على هيكلة جديدة واحتمال كبير يعملوا رفد وخصم في العمالة. المرة دي، وراني الإيميل وفتحه قدامي بدل ما يخبيه زي زمان. مفيش أي قرار اتقرر لحد دلوقتي، ومفيش حد فينا حاول يمثّل عكس كده أو يجمّل الواقع. وبرة مطعم شعبي قريب، كريم لبس الجزمة اللي اتصلحت، وخد تلات خطوات وهو بيعرج ومش مرتاح، وفضل يضحك عشان كانت بتوجعه. من خمس عشرة سنة، الجزمة دي شالته وعدت بيه من أزمة صعبة لوحده؛ بس الليلة دي، أخيرًا سابني أتمشى معاه جنبه ونشيل الهم سوا.

تم نسخ الرابط