طردتني من بيتي قدام الناس حكايات منــال عـلـي
هزت منى راسها بجدية تامة، وكأن كلامها حاسم ومافيش مناقشة:
- جرى إيه يا أولاد، هو أنا يعني طالبة منكم لبن العصفور؟ أنا مش طالبة منك تجيب لي شال كشمير ولا غويشتين دهب.. أنا كل اللي عوزاه شقة ألم فيها عضمي! وتكون قريبة منكم!
إيمان حست فجأة إن أطرافها سقعت وتلجت، لفت وشها وبصت لجوزها. أحمد كان قاعد متنح وفاتح بقه، عينيه متبتة في ترابيزة السفرة، ونفسه طالع نازل بسرعة وخنقة. قال أخيرًا بالعافية والكلمة خارجة منه بطلوع الروح:
- يا ماما أنا.. أنا مش عارف هتدبر إزاي بس..
قاطعته منى بلهجة حامية وفورية:
- ومش عارف إيه اللي محتاج تفكير وحيرة؟ إنت راجل البيت وسيد الرجالة، ومن واجبك تشيل أمك وتساعدها، ولو مرة واحدة في حياتك ومن غير ما تكسر بخاطري!
وهنا خلاص.. إيمان جابت آخرها وما بقتش قادرة تكتم في نفسها أكتر من كده. قالت بنبرة هادية بس طالع منها كمية تعب وهدد مش طبيعية:
- هنساعد يا طنط بس إحنا محتاجين وقت ونفس.. إحنا اليومين دول بنمر بظروف صعبة قوي وأحمد يدوبك مقضيها.
بصت لها منى بعين حمرا وبحدة تخوف:
- ظروف صعبة إيه يا حبيبتي اللي بتتكلمي عليها؟! إنتوا قاعدين في شقتكم ملك، ملككم لوحدكم ومن غير مليم ديون ولا أقساط تقطم الظهر. وأحمد بيقبض مرتب محترم والكل يحسده عليه.. وإنتِ كمان يا ختي كان بإمكانك تشتغلي وتنزلي دوام كامل لو كنتِ بجد عايزة تشيلي مع جوزك وتساعدي البيت!
تنحنحت جيهان بإحراج وبصت في الأرض، وسامح جوزها لزق عينه في طبق البشاميل وعامل نفسه مش سامع حاجة. الجو صبق فجأة وبقى تقيل زي الحجر، ومحدش نطق بكلمة. بعدها بشوية الحوار رجع تاني يتفتح في حاجات عادية وهايفة ومالهاش لازمة، بس إيمان خلاص كانت فصلت شحن وما بقتش سامعة أي حاجة من اللي بتتقال حواليها، والكلمتين كانوا بيرنوا في ودنها زي الخبط على الدماغ: "شقتكم الخاصة" و"كان بإمكانك تشتغلي". يا ربي.. هي الست دي تعرف إيه أصلاً عشان تتكلم؟!
بعد كدة، وأول ما الضيوف مشوا وقفلوا الباب وراهم، إيمان لفت وشها وبصت لجوزها علطول. صوتها كان ناشف وحازم ومابيهزرش:
- أحمد.. إحنا لازم نتكلم.. وحالاً.
اتنهد أحمد وقال بقلة حيلة وهد حيل:
- إيمان أرجوكي أنا هلكان ومش قادر أفتح عيني.
- بقولك دلوقتي حالا يا أحمد!
قعد على الكنبة وحط إيده على وش المسكين ومسح بجبينه:
- خير يا إيمان؟
- ليه ما قولتش لأمك الحقيقة؟ ليه ما وقفتهاش عند حدها وفهمتها إن الشقة دي ملكي أنا وبفلوسي؟ وإننا مش في إيدنا نساعدها بمليم واحد؟
وطى راسه في الأرض وقال بصوت واطي ومكسور:
- إنتِ مش فاهمة حاجة يا إيمان.. أمي طول عمرها بتتباهى بيا قدام القرايب والجيران وفخورة بيا وبنجاحي.. أنا مش قادر، ومش هستحمل أكسر صورتي في عينيها وأبان قليل.
همست إيمان وكل كلمة كانت طالع زي السكينة:
- وعشان تحافظ على برستيجك وصورتك قدامها، تكسرني أنا؟ تسمح لها تهيني وتلقح عليا كلام قدام أختك وجوزها؟ وتسيّبها فاكرة ومقتنعة إني قاعدة عالة عليك وعايشة على قفاك؟!
تمتم بتوتر وبص لها برجا:
- يا إيمان أنا لقيت إن ده الحل الأسهل عشان المركب تسير واليومين يعدوا.. أمي ست كبيرة ومش هتتغير.
قالت ببرود وتلج وهي بتقوم من مكانها:
- خلاص.. طالما هي مش هتتغير، يبقى أنا اللي هأتغير.
وسابته ودخلت أوضة النوم وقفت الباب وراها من غير ما تبص وراها خطوة واحدة. مرت الأيام اللي بعد كدة في صمت رهيب، البيت كان ميت ومحدش فيهم بيكلم التاني. منى كانت بتتحرك في الصالة والأوض كأنها ملكة زمانها وصاحبة الملك، وأحمد عينه ما بتجيش في عين مراته وبيهرب منها، وإيمان كانت كل ليلة بتحس إنها مسجونة ومخنقوقة جوة بيتها وملكاها. مية مرة كانت بتبقى على تكة وتقول الحقيقة وتفرش الملاية، بس الكلمات كانت بتقف في زورها وتخنقها.
لحد ما جت اللحظة اللي طفحت الكيل وعدت كل الخطوط الحمراء.. يوم الأحد. إيمان رجعت من السوق وشايلة الأكياس في إيدها، أول ما فتحت الباب لقت منى واقفة في الطرقة، وماسكة شنطة هدومها في إيدها وبتترعش من الغل. زعقت فيها بصوت جهوري كله غضب:
- أنا قولتلك لمي هدومك واطلعي برة شقتنا! إنتِ بني آدمة جاحدة وبتهيني ابني وبتدوسي عليه! أحمد عملك قيمة وعيشك تحت سقف يحميكي وإنتِ...
وفجأة كل حاجة وقفت. الكل سكت تماماً. الصوت الوحيد اللي ساد المكان كان صوت المفاتيح وهي بتقع من إيد إيمان وترن على السيراميك. وقفت إيمان مفرودة، وشها خالي من أي تعبير، وبصت لمنى بهدوء قاتل يقطع النفس:
- الشقة دي بتاعتي أنا يا مدام منى.. شقتي ومِلكي وبفلوسي أنا اللي شقيانة فيها.. من قبل ما أعرف ابنك ده أصلاً ولا أشوف وشه بوقت طويل.