إعملي شفط دهون حكايات منــال عـلـي

لمحة نيوز

إعملي شفط دهون بقلم: منــال عـلـي

الجزء الأول

"اعملي شفط دهون... أصل مرات أخويا جسمها أحلى منك!"

بعد ما خلفت ابني التاني، جسمي اتغيّر طبيعي جدًا. وزاد الطين بلة إني اكتشفت إن عندي مشكلة في الغدة الدرقية، وده خلّى نزول الوزن يبقى بالعافية مهما عملت.

ورغم كده، ما استسلمتش. بطلت الأكل اللي ملوش لازمة، وبقيت أنزل أتمشى كل يوم الصبح، وكل كيلو كان بينزل كنت بفرح بيه كأني كسبت الدنيا.

بس جوزي كريم بقى عنده عادة تقرف... يقارنّي بأي ست يشوفها، وأكتر واحدة كان بيجيب سيرتها هي مرات أخوه دينا.

بعد عزومة غدا عند حماتي في يوم جمعة، وإحنا راجعين البيت، فضل يبصلي من فوق لتحت وبعدين ضحك ضحكة مستفزة وقال: ـ "شفتي دينا؟ بصي جسمها عامل إزاي... وبصي لنفسك! والله اللي يشوفكم جنب بعض يقول دي أختك الكبيرة!"

حسيت إن الأرض انشقت وبلعتني.

دخلت الحمام وقفلت الباب عليّا، عشان العيال ما يشوفونيش وأنا بعيط.

لكن ابني الكبير عمر كان بقى فاهم كل حاجة. كان كتير يسمع أبوه وهو بيرمي عليّا كلام يوجع، أو يدخل المطبخ يلاقيني بمسح دموعي بسرعة أول ما أحس إنه جاي. ولا مرة اتكلم مع أبوه...

بس مرة حضني وقال بصوت واطي: ـ "ماما... متزعليش من كلام بابا. إنتِ أحلى واحدة في عيني، وأحن أم في الدنيا."

ابتسمتله بالعافية... وأول ما خرج من الأوضة، انهرت من العياط.

أما كريم، فكان كل مرة بعد ما يجرحني، يغير نبرة صوته ويبقى هادي كأنه بيعمل فيا معروف: ـ "أنا بقولك كده عشان بحبك. غيري كان زمانه ساب مراته وجاب غيرها."

وبعد فترة، الكلام مبقاش مكفيه. بقى كل شوية يبعتلي إعلانات دكاترة تجميل، وعيادات شفط دهون، ويقولي: ـ "اعملي شفط دهون وشدي جسمك... ولو كبرتي صدرك كمان هتبقي زي الفل."

مع إنه عارف كويس إن حالتي الصحية ما تسمحليش أعمل أي عملية تجميل، والدكتور بنفسه كان محذرني. لكن ده ما فرقش معاه.

في ليلة، دخل الأوضة وقف قدام الباب ومنعني أخرج، وقال وهو باصصلي ببرود: ـ "لو ناوية تفضلي بالشكل ده، متتوقعيش إني أفضل مستحملك العمر كله."

وقتها كنت نفسي أطرده بره البيت... لكن خوفي على ولادي، وعلى البيت اللي بنيناه سنة ورا سنة، خلاني أبلع الإهانة وأسكت.

لحد ما جه يوم الأحد اللي فات...

الجزء الثاني (الأخير)

مر أسبوع، وكريم ما بطلش كلامه الجارح. كل يوم يقف قدام المراية وهو يقول: ـ "هو إنتِ مقتنعة بالشكل ده؟"

ويرجع يبعتلي لينكات لدكاترة تجميل وعيادات شفط دهون. وأنا كل مرة أرد بنفس الجملة: ـ "الدكتور قال العملية خطر عليّا بسبب الغدة."

كان يهز كتفه وكأن كلامي ولا له أي قيمة: ـ "يبقى استحملي النتيجة."

وفي ليلة، وأنا بغير هدومي عشان أنام، دخل الأوضة وقفل الباب وراه. وقف قدامي وسند إيده على الباب وقال ببرود: ـ "اسمعيني كويس... أنا زهقت. لو مش هتعملي حاجة لجسمك، متتوقعيش أفضل عايش كده كتير."

فضلت أبصله وأنا مش قادرة أنطق. كان نفسي أقوله: البطن دي شالت ولادك... والجسم ده اتعب عشان بيتك. لكن ولا كلمة خرجت.

ابتلعت كسرتي... عشان ولادي.

ومن يومها، عمر ابني الكبير بقى ساكت أكتر من الأول. كان يشوف... ويسمع... ويسكت. لكن نظراته كانت بتقول إنه شايل جواه كلام كتير.

وجت عزومة الغدا عند حماتي يوم الجمعة. السفرة كانت مليانة، وحماتي فرحانة إن العيلة كلها متجمعة.

بعد شوية، دخل أحمد أخو كريم هو ومراته دينا. كانت لابسة فستان أحمر بسيط وشيك، وسلمت على الكل وقعدت مكانها. وأنا كنت بحاول أتصرف طبيعي... كأن مفيش حاجة.

الأكل اتقدم، والكلام والضحك ماليين المكان. وفجأة... كريم اتسند بضهره على الكرسي، وبصلي قدام الكل وقال بصوت عالي: ـ "بصوا على دينا... الست دي الواحد يبقى فخور وهو ماشي جنبها."

وسكت ثانية... وبعدين كمل وهو بيبصلي: ـ "أما إنتِ... والله ببقى مكسوف أمشي جنبك حتى لو نازل أجيب حاجة من السوبر ماركت."

الصالة كلها سكتت، والضحك اختفى. دينا نزلت عينيها في الأرض من الإحراج، وأحمد بص لأخوه بصدمة. وأنا... اتمنيت الأرض تنشق وتبلعني.

في اللحظة دي... سمعت صوت الكرسي وهو بيتزق. بصينا كلنا، كان عمر.

وقف بهدوء... وبص لأبوه مباشرة، وقال: ـ "ممكن أقول حاجة يا بابا؟"

كريم ضحك وقال باستهزاء: ـ "قول يا سيدي."

عمر هز راسه وقال بهدوء: ـ "هقول... بس ياريت تسمعني للآخر." وبعدين بص حواليه، ورجع بص لأبوه: ـ "إنت طول الوقت بتقارن ماما بمرات عمو... طب ليه عمرك ما قارنت نفسك بعمو أحمد؟"

الابتسامة اختفت من على وش كريم، وعمر كمل بنفس الهدوء: ـ "عمو أحمد عمره ما أهان مراته قدام حد... ولا عمره كسر بخاطرها."

أحمد نزل بعينه في الأرض من الإحراج. أما كريم، فحاول يقاطعه: ـ "إنت مالك بالكلام ده؟"

لكن عمر رد بسرعة: ـ "لأ... ليا. كل مرة كنت تجرح ماما... كنت فاكر إني مش سامع. كل مرة كانت تدخل الحمام تعيط... كنت بشوفها. وكل مرة كنت تقارنها بحد... كنت بكسر من جوايا."

بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس. وعمر بصلي، وابتسم ابتسامة صغيرة، وبعدين رجع لأبوه وقال: ـ "ماما جسمها اتغير لأنها جابتنا للدنيا... وتعبت عشان تربينا. لكن إنت... إيه عذرك؟"

ولا حد نطق، حتى حماتي كانت باصة لابنها ومش عارفة تقول كلمة. وقبل ما يقعد، قال آخر جملة: ـ "أنا عمري ما هكسف أمشي جنب أمي... لكن لو كنت مكانك، كنت هكسف من الطريقة اللي بكلمها بيها."

وساب الكباية على السفرة... وقعد مكانه.

كريم فضل ساكت. أول مرة... ما لقىش ولا كلمة يرد بيها.

أما أنا... فبصيت لابني، وحسيت إن السنين اللي قضيتها وأنا بربيه، ما راحتش هدر. في اللحظة دي عرفت... إن الاحترام هو اللي بيخلّي الإنسان كبير... مش الشكل، ولا الوزن، ولا أي حاجة تانية.

النهاية

تم نسخ الرابط