ظل أهلي ينادونني بالفاشلة سنوات طويلة
ظل أهلي ينادونني بالفاشلة سنوات طويلة، حتى اعتدت أن أتركهم يصدقون ذلك عني، إلى أن مدّت أختي يدها على ابني في عزومة رمضان، فقررت عندها أن أُظهر لهم الحقيقة التي أخفيتها عنهم طويلًا.
لم أخبر عائلتي يومًا من أكون في الحقيقة. فبالنسبة إليهم، كنت دائمًا "مريم عبد الحميد"؛ الفتاة التي تركت الجامعة، والتي "لم تفعل شيئًا مهمًا في حياتها". وتركت هذه الصورة تكبر في أذهانهم سنوات، لأنها كانت تحميني.
حتى جاءت عزومة أول يوم من رمضان. كانت رائحة البط المشوي تملأ المائدة، ويتصاعد بخار الشوربة والأرز المتبل. كانت الرائحة نفسها التي لم تتغير منذ سنوات، تمامًا مثل أفكارهم. كنت أجلس في آخر المائدة، إلى جانب الأطفال، رغم أن عمري كان ستة وعشرين عامًا. وكان ابني ياسين بين ذراعي، وعمره ثلاثة أشهر، يتحرك بضيق. كان الشيء الوحيد الحقيقي والدافئ في ذلك المنزل.
كان يرتدي ثوبًا أزرق داكنًا خيطته بيدي من بقايا قماش الكشمير الطبيعي. بالنسبة إلى أي شخص عادي، لم يكن ذلك سوى ثوب طفل. لكن من يفهم في الخياطة يعرف أن القطعة مصنوعة بحرفة وإتقان هادئ. أما في ذلك المنزل، فلم يكن أحد يفهم شيئًا.
أدارت أختي الكبرى ندى كوب العصير في يدها، وقالت بفخر: — كانت دراسة الماجستير في إدارة الأعمال مرهقة جدًا، لكن المكانة لها ثمن. شركة "نوفالكس" لا توظف أي شخص، فنحن إمبراطورية تبلغ قيمتها خمسة مليارات جنيه.
ابتسمت أمي بفخر وقالت: — الحمد لله أن لدي ابنة تعرف قيمة السمعة والمكانة.
نظر أبي إليّ نظرة ثقيلة وقال: — وأنتِ يا مريم؟ إلى أين ستصلين من دون شهادة؟ خذي أختك مثالًا لكِ.
ضممت ياسين إلى صدري أكثر وقلت: — أعمل لحسابي، ولدي عملاء.
ضحكت ندى بسخرية وقالت: — عملاء؟ هل تقصدين أنك تقصرين الملابس بمقابل بسيط؟ هذا ليس مستقبلًا.
ثم مدت يدها وشدت الثوب باستخفاف، وقالت: — هل صُنع من بقايا القماش؟ هذا مؤسف… سيكبر الطفل بين البقايا لأن أمه لا تملك طموحًا.
بدأ ياسين بالبكاء، فقد شعر بالتوتر من حوله. تنهدت ندى بضيق وقالت: — ألا تستطيعين إسكاتَه؟ نحن نتحدث في أمور مهمة.
قلت: — إنه طفل، وربما يكون جائعًا.
فقالت: — إنه مزعج… مثلك تمامًا.
ازداد بكاء ياسين. وفجأة نهضت ندى بانفعال وقالت: — فليسكت إذًا!
وفي لحظة، مدت يدها وضربته على ساقه ضربة قوية. دوّى الصوت في الغرفة. وأطلق ياسين صرخة ألم مزقت قلبي. وظهرت علامة حمراء تحت القماش.
نظرت إلى أمي وأبي. لكنهما أشاحا بوجهيهما. وقالت أمي ببرود: — كان يصرخ. عليكِ أن تعرفي كيف تربينه.
وتمتمت ندى بقسوة: — أناس فارغون ينجبون أطفالًا فارغين.
في تلك اللحظة، انكسر شيء داخلي. لم يكن ضعفًا. بل كان الحاجز الذي ظل يفصلني عنهم.
نهضت بهدوء غريب، وأمسكت جهاز التحكم الخاص بالتلفاز. كان الصوت منخفضًا، لكنه ظل ثابتًا. وقلت: — أظن أن الأخبار أنسب لأجواء رمضان. هناك تقرير خاص عن شركة "نوفالكس"، وعن مؤسستها الغامضة، م.ع.
عاد الغرور إلى وجه ندى وقالت: — أرأيتم؟ لقد حققت أرقامًا قياسية جديدة. م.ع عبقرية، ولم يرَ أحد وجهها من قبل.
ابتسمت وأنا أقف عند باب الصالة، وكان ضوء الغرفة خلفي، ثم قلت: — نعم… إنها شخصية غامضة جدًا.
قال المذيع عبر شاشة التلفاز: "في لقاء حصري هو الأول من نوعه، تكشف مؤسسة نوفالكس عن هويتها الحقيقية بعد سنوات من العمل بصمت…"
بدأت الكاميرا تقترب. وكان قلبي ثابتًا.
قالت المذيعة بابتسامة واسعة: "نلتقي اليوم بمؤسسة مجموعة 'نوفالكس'، السيدة مريم عبد الحميد، التي اختارت أن تظل في الظل لسنوات حتى بناء إمبراطورية تجارية بلغت قيمتها خمسة مليارات جنيه…"
ظهرت صورتي على الشاشة الكبيرة بوضوح؛ ملامحي الهادئة، ونفس العباية البسيطة التي أرتديها الآن، دون أي تصنع أو زيف.
ساد صمت مطبق في غرفة الطعام، كأنما تحول الجميع إلى تماثيل حجرية. انخفض صوت الشوك والسكاكين، وارتجفت يد ندى حتى سقط كوب العصير من قفازها الخشبي لينكسر على الأرض بصوت مدوٍ.
التفتت أمي نحو الشاشة ثم نحوي، وفتحت فمها لتعلق لكن الكلمات هربت منها تمامًا. أما أبي، فوقع نظره على الشاشة ثم على ياسين الصغير بين ذراعي، وظهر شحوب مفاجئ على وجهه وهو يدرك حجم العمى الذي عاش فيه سنوات.
تقدمت بخطوات بطيئة وثابتة نحو وسط الغرفة، ويسين يرقد بسكينة على صدري، ثم نظرت إلى أختي التي تحولت ملامح غرورها إلى رعب وذهول تام.
قلت بصوت هادئ ومستقر، دون أن أرفع نبرتي: — يبدو أن إمبراطورية "نوفالكس" التي تعملين بها... توظف الأشخاص الخطأ يا ندى. وتقدرين الآن أن تقرري بنفسك ما إذا كان ابني طفلاً فارغًا، أم أن من يحمل اسمه هو الفارغ حقًا.
أشحت بظهري عنهما دون أن ألتفت للخلف، واتجهت نحو الباب، وتركتهم جميعًا خلفي متسمرين أمام الشاشة، يدركون أخيرًا أن الحقيقة لا تقاس بالغطرسة ولا بالأسماء المزيفة، بل بما يفعله الإنسان بصمت وإصرار.