كل سبت
كل سبت، بعد العشاء في منزل عمّي، كنت أفقد وعيي لساعتين بالتمام والكمال... إلى أن أخفيت كاميرا مراقبة في مكتبه!
اسمي مريم، ومتزوجة منذ ثلاث سنوات من طارق العريان. كان عمّي والد زوجي، الأستاذ محمود العريان، من هؤلاء الرجال الذين يُهمس بأسمائهم بإجلال ومهابة؛ فهو مدير إحدى الهيئات الحكومية الكبرى، يملك نفوذاً وعلاقات في كل مكان، وله سائق خاص ومساعدون، ورصيد لا يُمس من الهيبة والسمعة الطيبة. كنا نتعشى في بيته كل سبت دون استثناء.
وعلى مدار الأشهر الثلاثة الماضية، كان الكابوس نفسه يتكرر في كل مرة؛ فور عودتنا، أتهاوى سريعةً بلا قوى. لم يكن مجرد نوم، بل كأن أحداً يضغط زراً ليطفئ النور داخل عقلي: دوخة، غثيان، وثقل رهيب يجعل إطباق جفنيّ أمراً محتوماً، لأستفيق بعدها بعد ساعتين تماماً لا تزيدان ولا تنقصان. في المرة الأولى ظننت أنه الإرهاق، وفي الثانية قلت إنها مجرد مصادفة، أما في الثالثة فذهبت إلى المستشفى. تحاليل دم، سكر، وظائف كبد وكلى، وأشعة مقطعية على المخ... كل شيء كان سليماً ومثالياً، وانتهت المستشفيات إلى النتيجة نفسها: أنتِ بصحة ممتازة ولا تشتكين من شيء.
عندما حكيت الأمر لطارق، أطلق ضحكة ساخرة وقال إنني أتوهم وأن أباه يأكل معنا نفس الطعام بالضبط. وحين قلت إن هذا لا يحدث إلا عندما نتعشى هناك، تغيرت بروده وتساءل بنبرة حادة إن كنت ألمح إلى أن أباه يفعل بي شيئاً. ضرب طارق عجلة القيادة بغضب مدافعاً عن أبيه الذي يخدم البلدة منذ ثلاثين عاماً، وتلك الجملة جرحتني بأكثر مما توقّعت لخلوها من أي نبرة قلق عليّ.
في الأسبوع التالي، تكرر الموقف أثناء طريق عودتنا وشعرت بالدنيا تدور بي من جديد، فلم يلتفت إليّ وقال ببرود "نامي"، ثم غطاني ببطانية وهمس بتأفف "يا لها من امرأة معقدة...". عندما فتحت عينيّ كانت الساعة العاشرة وثلاث دقائق مساءً، أي أنني فقدت وعيي في الثامنة وثلاث دقائق تماماً. في تلك الليلة اتخذت قراري بإحضار الدليل بنفسي، فاشتريت كاميرا دقيقة للغاية، وفضل السبت التالي وبينما كان طارق يساعد والده في الحديقة، تظاهرت بالبحث عن الحمام ودلفت إلى مكتب عمّي لأخفي الكاميرا بين الكتب على أحد الرفوف موجهة نحو مكتبه.
خلال العشاء، لم أستطع ابتلاع اللقمة بينما كان محمود يلحّ عليّ لتناول المزيد لأنني نَحُفتُ كثيراً، ونظرت إلى طارق فشاح بصره بعيداً وأدركت الحقيقة. وبعد يومين، اهتز هاتفي في العمل معتقداً حركة التقطتها الكاميرا؛ فتحت البث المباشر لأرى عمي محمود يدخل عليه طارق بعد ثوانٍ. سأل زوجي كم وضعت لها هذه المرة، فأجاب محمود "نفس الكمية. أمامنا نحو ثمانية أسابيع قبل أن تبدأ بالشك فعلياً". أطلق طارق ضحكة عصبية مؤكداً أنها تشك بالفعل، ليطلب محمود الإسراع والتنفيذ فوراً ويخرج ملفاً من الدرج مؤكداً أنه بمجرد حصولهم على توقيعها الأخير سيرتبط كل شيء باسم مريم من تحويلات، شركات، وأوراق. وحين سأل طارق عما إذا بدأوا بالتحقيق، ابتسم محمود ابتسامة ماكرة وقال "حينها سيذهبون للقبض عليها هي... سنخرج منها أتقياء أصفياء".
اضطررت لسماع التسجيل ثلاث مرات لأستوعب أن زوجي كان يعلم، وأن عمّي يعكف على إعداد وثائق يدينني بها لأكون الكبش في الجريمة. عند الرابعة فجراً انتهيت من كتابة بلاغ مفصل مرفق بالتسجيلات والتقارير الطبية، ولكن في لحظة الضغط على زر الإرسال، ظهر طارق عند الباب يراقب شاشة حاسوبي وسأل عما أفعله.
توالت الأحداث بعد ذلك لتكشف شيئاً فشيئاً أن الأمر لم يكن خيانة بالمعنى المفهوم، بل سلسلة معقدة من محاولات الحماية والخداع والمؤامرات القديمة التي تورط فيها شريك جدي القديم وموظفون سابقون حاولوا تزوير المستندات والاستيلاء على الممتلكات. تبيّن لاحقاً أن الدواء المهدئ الذي كان يُعطى لي لم يكن بتوجيه من عمي محمود أو طارق، بل كان بفعل أدوات خارجية لزرع الشك وتسهيل التوقيع على الأوراق المزورة، وأن جدي الراحل كان قد ترك أسراراً ووصايا في خزائن قديمة ومخازن مهجورة تؤكد براءة العائلة وتكشف حقيقة شبكة الفساد القديمة التي طالت حتى وفاة والدي.
بعد أسابيع من التحقيقات وظهور الحقائق كاملة، أُلغت المستندات المزورة، وأُلقي القبض على المتورطين الحقيقيين وفي مقدمتهم مدير المكتب السابق وموظفو الحسابات الفاسدون. اعتذر لي محمود عن طريقة إخفائه الحقيقة، وتغير طارق تماماً فلم يعد يستخف بشكاوى أو مخاوف، وأسست مؤسسة خيرية باسم أبي لمساعدة الأسر التي تتعرض للاحتيال وسرقة حقوقها.
وفي أول سبت بعد انتهاء الكابوس، جلست على مائدة العشاء مع طارق ومحمود. نظر إليّ طارق مبتسمًا وسأل إن كنت لا أزال أخاف من يوم السبت، فابتسمت ونظرت إلى الساعة وكانت الثامنة تماماً. انتظرت الدوخة فلم تأتِ، وأدركت أن الكابوس قد انتهى حقاً، وأن الثقة الحقيقية والوضوح هما الركيزة التي تعود بها الحياة لطبيعتها دون خوف من المجهول.