اخويا وبنته الرضيعه نور محمد

لمحة نيوز

أخويا رجع من المستشفى شايل بنته الرضيعة وساب أختها التوأم هناك، وكلنا افتكرناه بينفذ تعليمات الدكاترة، لحد ما أمي قالتله جملة واحدة فضحت الحقيقة: “إنت نسيت إن أنا كنت واقفة قدام أوضة العمليات وشوفت اللي حصل.”

أخويا “محمود” كان مستني التوأم بقاله خمس سنين، أنا عمري ما شوفته فرحان بالشكل ده؛ كان كل يوم يدخل أوضة الأطفال، يقعد يرتب الهدوم الصغيرة ويفضل يتخيل هيبقى أب إزاي. ولما مراتُه “دينا” ولدت بنتين توأم، فرحتنا كانت متتوصفش.

لكن بعد الولادة بيومين، كل حاجة اتغيرت؛ محمود رجع البيت شايل طفلة واحدة. سألناه باستغراب: “فين أختها؟”، قال وهو بيهرب بعينه: “لسه في الحضانة… الدكتور قال محتاجة كام يوم ملاحظة.” اقتنعنا وقلنا عادي، أكيد واحدة تعبت شوية بعد الولادة. لكن الغريب إن كل يوم كنا نسأله نفس السؤال وكان يرد بإجابة مختلفة؛ مرة يقول عندها صفراء، ومرة يقول وزنها قليل، ومرة يقول هيعملولها تحاليل. أما دينا، فمن ساعة ما خرجت من المستشفى كانت ساكتة ومش بتتكلم، وكل ما حد يسألها عن البنت التانية تبص لمحمود وتسكت، فافتكرنا إنها تعبانة من الولادة.

لحد بعد أسبوع، أمي دخلت أوضتها بالليل لقتها بتعيط في صمت، فقعدت جنبها وقالتلها: “مالك يا بنتي؟”، انفجرت دينا في العياط وقالت: “بنتي كويسة… هي مكنش فيها حاجة.” اتجمدت أمي وسألتها: “أومال فينها؟”. وقبل ما ترد، دخل محمود الأوضة فجأة، وأول ما شافها بتتكلم زعق فيها لأول مرة من يوم ما اتجوزها: “قولتلك ترتاحي ومتفكريش في حاجة!”، وشدها من إيدها وخرجها من الأوضة، وأمي خرجت وراهم وهي حاسة إن في سر كبير مستخبي.

تاني يوم ومن غير ما يقول لحد، محمود نزل بدري. أمي استغربت وركبت تاكسي ومشيت وراه فضلت تراقبه لحد ما وقف قدام دار رعاية أطفال. نزل من العربية وكان شايل شنطة أطفال كبيرة، أمي قلبها وقع واستنته يخرج، ولما خرج كان خارج لوحده. جريت عليه وقالتله: “البنت فين يا محمود؟”، اتخض وقال بسرعة: “إنتي بتعملي إيه هنا؟”، لكن أمي مردتش وكررت السؤال، فسكت ووشه اصفر.

وفي اللحظة دي، مديرة الدار خرجت من الباب وقالت وهي مبتسمة: “متقلقش يا أستاذ محمود… الصغيرة بخير.” أمي لفت ناحيتها بصدمة وسألت: “صغيرة مين؟”، استغربت الست وقالت: “بنته… اللي جابها من تلات أيام.” أمي حسيت إن رجليها مش شايلينها، بصت لابنها وقالت بصوت كله وجع: “يعني كنت بتكدب علينا كل ده؟”.

محمود بص حواليه واتأكد إن محدش سامع، وبعدين قال بصوت واطي: “لو سمحتي… تعالي معايا البيت وهشرحلك.” لكن أمي هزت راسها وقالت جملة خلت ملامحه تتغير تمامًا: “مش محتاجة تشرح… أنا كنت واقفة قدام أوضة العمليات وشوفت الدكتور وهو بيسلمك البنتين بنفسه، وسمعتك وإنت بتقول لحد في التليفون: خدوا اللي عليها الوحمة… والتانية هترجع معايا.”

محمود اتجمد مكانه، وفي نفس اللحظة رن موبايله. بص للشاشة وشحب وشه، وأمي لمحت اسم المتصل: “المحامي”. رد وهو بيرتعش: “أيوه…ر”، وجاله الرد من الناحية التانية: “البنت اللي في الدار… اختفت من أوضتها من عشر دقايق.” وقبل ما محمود ينطق حرف، سمعنا صرخة جاية من جوه الدار… صرخة خلت كل اللي واقفين يجروا ناحية الباب.

جرينا كلنا، أنا وأمي ومحمود ومديرة الدار، ناحية الباب الداخلي اللي طالع منه الصوت. قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة إني حسيته هيخرج من ضلوعي، وأمي كانت بتسند عليا وهي بتنهج، بس عينيها كانت متعلقة بمحمود اللي كان بيجري زي المجنون، وكأن روحه بتتسحب منه.

أول ما دخلنا الطرقة الطويلة بتاعت الدار، لقينا ممرضة واقعة على الأرض، ماسكة راسها اللي بتنزف، وبتبكي بهيستيريا. محمود نزل على ركبه قدامها، مسكها من كتافها وهو بيصرخ فيها: “فين البنت؟! بنتي فين يا مجنونة إنتي وهي؟!”

الممرضة رفعت إيدها وهي بتترعش، وشاورت ناحية الباب الخلفي للدار وقالت بصوت متقطع: “رجالة… رجالة ضخام دخلوا من الباب الخلفي… ضربوني وأخدوا البنت اللي لسه جاية من تلات أيام… البنت اللي فيها وحمة في كتفها… ركبوا عربية سودا وهربوا!”

محمود سابها، ووقف زي الصنم. وشه جاب ألوان، وعينيه جحظت في الفراغ. أمي قربت منه، مسكته من ياقته بقوة ما أعرفش جابتها منين، وهزته بعنف وهي بتزعق: “انطق يا محمود! مين دول؟ وإيه حكاية الوحمة دي؟! إنت بعت لحمك ودمك لمين يا قاسي القلب؟!”

محمود نزل على الأرض، حط إيده على وشه وانفجر في عياط هستيري… عياط راجل مكسور، خايف، وندمان في لحظة ما ينفعش فيها الندم. وسط شهقاته، بدأ يتكلم، وكل كلمة كانت بتنزل علينا زي طلقات الرصاص: ”أنا مديون يا أمي… مديون بنص مليون جنيه لواحد ما بيرحمش! شيكات وإيصالات أمانة، وكان هيحبسني يوم ولادة دينا. الراجل ده اسمه ‘شوقي’، راجل أعمال مشبوه بس مراته محرومة من الخلفة، ولما عرف إن مراتي حامل في توأم، سامهمني. قالي: ‘هاتلي عيل من الاتنين، أكتبه باسمي، وهقطع الشيكات واديك زيهم كمان’. رفضت في الأول… والله العظيم رفضت! بس هددني إنه هيقتلني ويأذي دينا. لما البنات اتولدوا… الشيطان عماني. قولت لنفسي واحدة تعيش في عز والتانية تتربى معايا، أحسن ما أتحبس وأسيبهم يضيعوا. اتفقت مع الدكتور، اخترت البنت اللي فيها وحمة عشان أميزها، واتفقت مع شوقي إني أسيبها في الدار دي كأنها مجهولة النسب، وهو ييجي ياخدها بالأوراق اللي هيزورها المحامي بتاعه… بس المحامي كلمني وقال إن شوقي استعجل، وبعت رجالته خطفوها عشان خاف إني أتراجع!”

أمي رجعت خطوتين لورا، حطت إيدها على صدرها وكأنها مش قادرة تتنفس. بصتله بقرف وقالت: “تبيع حتة من روحك عشان الفلوس؟ عشان الخوف؟ فين يقينك بربنا؟ فين رجولتك؟! إنت لا يمكن تكون ابني اللي ربيته!”

وفي اللحظة دي، سمعنا صوت ورايا خلانا كلنا نتجمد. “بتبيع بنتي يا محمود؟!”

لفنا بسرعة… كانت “دينا”. واقفة على باب الدار، عينيها حمرا من البكا، ووشها شاحب زي الموتى. دينا كانت حاسة إن في حاجة غلط من يوم الولادة، ولما محمود نزل، ركبت تاكسي ورا أمي، وسمعت كل حاجة.

دينا قربت من محمود اللي كان باصص للأرض مش قادر يرفع عينه فيها. رفعت إيدها، ونزلت على وشه بقلم سمع دويّه في المكان كله. “طلقني… طلقني يا معدوم الضمير! بنتي ترجعلي النهاردة، وإلا قسماً بالله لأحبسك إنت واللي اشتراها منك!”

الشرطة وصلت بسرعة بعد ما مديرة الدار بلغت. الضابط “طارق” كان راجل صارم، بمجرد ما سمع القصة، أمر بالقبض على محمود فوراً للتحقيق، وبدأ يوزع قواته ويفرغ الكاميرات اللي في الشارع.

محمود كان قاعد في البوكس، مقيد بالكلابشات، بس كان بيترجى الضابط وهو بيبكي: “يا باشا أبوس إيدك، خدني معاكم… أنا عارف طريق مخزن شوقي، أنا اللي هوصلكم ليه! أنا مستعد أموت بس بنتي ترجع لحضن أمها!”

الضابط طارق بص لمحمود بنظرة احتقار، بس وافق ياخده معاهم في مدرعة الشرطة لأنه الدليل الوحيد اللي يقدر يوصلهم بسرعة قبل ما شوقي يهرب بالبنت بره البلد.

الطريق كان مرعب. الصمت جوه المدرعة كان قاتل، ومحمود كان بيقرأ قرآن ويدعي ربنا يسامحه وينقذ بنته. وصلنا لمخزن مهجور في أطراف المدينة، مكان ضلمة ومخيف. القوات حاصرت المكان، والضابط طارق أدى إشارة الاقتحام.

كسروا الباب، وبدأ تبادل إطلاق نار كثيف بين الشرطة ورجالة شوقي. أنا وأمي ودينا كنا في عربية الشرطة بره، دينا كانت حاضنة بنتها التانية وبتبكي، وأمي بتدعي بصوت عالي: “يارب سلمهالنا، يارب ما تعاقبناش بذنبه”.

جوه المخزن، محمود لمح “شوقي” بيهرب من باب خلفي وهو شايل البنت اللي ملفوفة في بطانية صغيرة. محمود نسي إنه مقيد، نسي الخوف، ونسي الرصاص اللي بيضرب. فك الكلابشات من إيد عسكري في لحظة غفلة، وجري ورا شوقي زي الأسد الجريح. ”هات بنتي يا مجرم!” صرخ محمود وهو بينط على شوقي قبل ما يركب عربيته.

شوقي طلع مسدسه ووجهه لمحمود، وقال بحقد: “إنت اللي بعت يا رخيص… البنت دي بقت بتاعتي!”

ضرب شوقي رصاصة… استقرت في كتف محمود!

لكن محمود ما وقعش، الدم كان بينزف منه، بس وجع قلبه على بنته كان أقوى من أي رصاصة. هجم على شوقي بكل قوته، ضربه راس في وشه، ووقع المسدس من إيده، وخطف البنت من حضنه، وضمها لصدره وهو بيقع على الأرض من النزيف.

وفي اللحظة دي، الضابط طارق والقوات وصلوا، وقبضوا على شوقي ورجالته.

في المستشفى… محمود كان نايم على السرير، كتفه مربوط، ووشه أصفر من التعب ونزيف الدم، بس عينيه كانت مليانة دموع وهو شايف دينا قاعدة جنبه، شايلة التوأم… الاتنين في حضنها! البنتين كانوا نايمين بسلام، واحدة فيهم باين على كتفها الصغير طرف الوحمة اللي كانت هتبقى سبب في ضياعها.

أمي كانت واقفة عند راسه، بتقرأ قرآن وتمسح على شعره. محمود بص لدينا بصوت ضعيف مكسور: “سامحيني يا دينا… سامحيني يا أمي… أنا استاهل كل اللي يجرالي. أنا بعت الأمانة اللي ربنا ائتمنني عليها، بس ربنا كان أرحم مني بيا وبيهم.”

دينا بصتله، عينيها كانت مليانة عتاب، بس برضه فيها حب سنين ما يتمحيش في يوم. قالتله بهدوء: “أنا مسامحاك يا محمود… مسامحاك عشان شفتك وإنت بتاخد الرصاصة فداها. بس القانون مش هيسامحك… وإنت لازم تدفع تمن غلطتك عشان تطهر من الذنب ده.”

الضابط طارق دخل الأوضة، بص لمحمود باحترام ممتزج بالصرامة، وقال: “أنا مقدر بطولتك في إنقاذ بنتك، ومقدر إنك اعترفت وساعدتنا نقبض على شبكة تجارة أطفال كاملة كان شوقي بيديرها تحت ستار التبني. ده هيخفف عنك الحكم كتير… بس إنت لازم تواجه المحاكمة بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب وتعريض حياة طفل للخطر.”

محمود ابتسم برضا غريب، وهز راسه وقال: “أنا جاهز يا باشا… سجن الدنيا أهون عليا من سجن عذاب الضمير لو كانت بنتي ضاعت.”

بعد مرور خمس سنين… الباب خبط. فتحت الباب، لقيت بنتين زي القمر، نسخة طبق الأصل من بعض، لابسين فساتين بيضا وبيضحكوا بصوت مالي البيت بهجة. “عمتو سارة!” حضنوني الاتنين، شيلتهم ولفيت بيهم.

دخل وراهم محمود… وشه كان منور، شعره خفه الشيب، بس ملامحه كانت أهدى وأكثر سلاماً من أي وقت فات. قضى في السجن تلات سنين بعد ما القاضي خفف الحكم لتعاونه مع الشرطة ولدوافع الجريمة (الإكراه)، وخرج إنسان جديد تماماً. دينا وقفت جنبه، ما سابتهوش لحظة، وأمي كانت السند ليهم كلهم.

محمود دلوقتي شغال محاسب في شركة صغيرة، رزقه حلال، وبيته مليان بركة. قعدنا كلنا على السفرة، أمي بصت لمحمود وهو بيأكل بناته بإيده، وابتسمت ابتسامة رضا، وقالت الجملة اللي بقت دستور في عيلتنا: ”الضنا غالي يا ولاد… واللي يفرط في حتة منه، بيفرط في روحه. ربنا بيبعت الرزق مع العيال، إحنا بس اللي بنستعجل وبنخاف من بكرة. الرضا باللي قسمه ربنا هو الغنى الحقيقي، والفلوس اللي بتيجي من طريق حرام، بتاخد معاها البركة والصحة والستر.”

بصيت لمحمود ودينا، وبصيت لأمي، وحمدت ربنا إن العاصفة دي عدت، وإننا طلعنا منها أقوى، متماسكين، وعارفين إن العيلة هي السند الحقيقي اللي ميتعوضش بكنوز الدنيا.

تمت…

تم نسخ الرابط