دفعت حماتي حلة مياه صغيرًا نحوي وأمرتني
ساد الصمت في غرفة الطعام. كان صوت احتراق الأوراق داخل المدفأة هو الشيء الوحيد الذي يُسمع. نظر ياسر إلى هاتفي، ثم إلى أمه، وقال: ماذا تقصدين بأن الكاميرا سجلت كل شيء؟
ابتسمت بهدوء. أقصد أن هاتفك لم يكن الشيء الوحيد الذي كان يصور الليلة. رفعت هاتفي أمامهم. منذ أن بدأت نوال بإهانتي، كانت كاميرا المنزل تعمل.
تغير وجه ريم. قالت بسرعة: هذا غير قانوني!
نظرت إليها وقلت: التسجيل موجود داخل منزلي، والكاميرا كانت معلنة أمام الجميع. والأهم من ذلك... أنها سجلت من أحرق المستندات.
تراجعت نوال خطوة. أنتِ تكذبين.
أشرت إلى المدفأة. المشكلة ليست في الأوراق التي أحرقتها. ثم أخرجت من حقيبتي نسخة أخرى من المستندات. لأنني توقعت أن تحاولي شيئًا كهذا.
تجمد الجميع. مددت النسخة أمام ياسر. أخذها بيد مرتجفة، وبدأ يقرأ. مرت ثوانٍ قليلة قبل أن يتغير وجهه تمامًا. قال بصوت منخفض: لا... هذا مستحيل.
اقتربت ريم منه. ماذا يوجد في الورقة؟
لم يجبها. فأخذت الورقة من يده وقلت: عقد الملكية. ثم نظرت إلى الجميع. والاسم الموجود ليس اسم ياسر. رفعت الورقة أمامهم. إنه اسمي أنا... ليلى سامح.
شهقت ريم. أما نوال فصرخت: كذب! ابني هو الذي دفع ثمن هذا المنزل!
أجبتها: ربما دفع جزءًا من المال، لكن العقد لم يُكتب باسمه. التفتُّ إلى ياسر. هل تريد أن أخبرهم لماذا؟
ظل صامتًا. قلت: لأن المنزل كان جزءًا من اتفاق سابق بيني وبين عائلتي. قبل زواجنا بأشهر، اشتريت الأرض وسجلت المنزل باسمي. وبعد الزواج، ساعد ياسر في بعض المصروفات، وهذا موجود في حساباتنا بالتفصيل. وضعت ملفًا آخر على الطاولة. لكن الملكية لم تتغير يومًا.
بدأ أحد أقارب ياسر بالتراجع نحو الباب. قال: ياسر... أنت قلت لنا إن المنزل باسمك.
ضحكت ريم بارتباك. لقد أخبرتنا أن ليلى مجرد زوجة تعيش في بيتك.
نظرت إلى ياسر. كان عاجزًا عن الرد. اقتربت منه وقلت: كنت تسمح لهم بإهانتي لأنك جعلتهم يصدقون أنني أعيش في منزلك. ثم أشرت إلى الأرض تحت أقدامهم. بينما الحقيقة أنكم جميعًا كنتم ضيوفًا في منزلي.
خفض ياسر رأسه. لكن نوال لم تستسلم. صرخت: هذا لا يغير شيئًا! أنتِ زوجة ابني، وكل ما تملكينه يخص العائلة!
نظرت إليها طويلًا. لا، يا نوال. ثم ابتسمت. وهنا تأتي المفاجأة الثانية. فتحت الملف الأخير. كان بداخله مستند يحمل توقيع ياسر. تغير وجهه بمجرد أن رآه. قلت: هل تتذكر هذا التوقيع؟
لم يجب. إنه اتفاق الزواج الذي وقّعته قبل ثلاث سنوات. بدأت أقرأ بعض البنود: كل ممتلكات يملكها أي طرف قبل الزواج تظل ملكًا له، ولا يحق للطرف الآخر التصرف فيها دون موافقة خطية. ثم رفعت عيني إليه. لذلك، لا أنت تملك المنزل... ولا عائلتك تملك حقًا واحدًا فيه.
اقتربت نوال من الطاولة. أعطيني الأوراق.
سحبتها بعيدًا عنها. لا.
قالت بغضب: أنا أم زوجك!
وأنا صاحبة المنزل. ثم التفتُّ إلى الجميع. والآن انتهى العشاء. أشرت إلى الباب مرة أخرى. أرجوكم... اخرجوا.
هذه المرة لم يضحك أحد. بدأ الأقارب في جمع أغراضهم بصمت. أما ياسر فظل واقفًا أمامي، وكأنه يحاول استيعاب ما حدث. قال: ليلى... انتظري.
توقفت عند الباب. ماذا؟
قال بصوت متوسل: نحن زوجان. لا يمكنك إنهاء كل شيء بهذه السهولة.
نظرت إليه. أنت محق. ثم أضفت: لن أنهيه بهذه السهولة. فتحت باب المنزل. سأنهيه بالطريقة التي تستحقها الحقيقة. لكن ما لم يكن ياسر يعرفه، أنني لم أكن قد كشفت له بعد عن الوثيقة التي وجدتها قبل أسبوع فقط... وهي الوثيقة التي جعلتني أشك في سبب زواجه مني من الأساس.
تلك الوثيقة التي كانت محتجزة في الخزنة لم تكن مجرد أوراق عادية؛ كانت عقد شراكة سرية يعود تاريخه إلى فترة ما قبل الزواج، عقداً موثقاً بين ياسر وشخص آخر كان يهدف إلى الاستحواذ تدريجيًا على كل أصول العائلة والأملاك المسجلة باسمي عبر ثغرات قانونية معقدة. الأدهى من ذلك أنني اكتشفت أن زواجي لم يكن سوى خطوة مرسومة بدقة لتوفير واجهة قانونية لهذا المخطط، مستغلين اسمي وثقتي الكاملة طوال تلك السنوات.
وقفتُ أمام الباب أراقبه وهو يقف مذهولاً في وسط غرفة المعيشة، وكررت بهدوء: "انتهى الوقت يا ياسر".
فتحت باب الشقة على مصراعيه ليعبر الهواء البارد للردهة إلى داخل الغرفة، بينما انسحب البقية في صمت مطبق دون أن يجرؤ أحد على النطق بكلمة أخرى. وعندما أغلق الباب خلفهم، التفتُّ إليه لأنظر في عينيه المليئتين بالارتباك والخوف لأول مرة، وقلت بصوت حاسم: "الآن، يمكنك أن تأخذ حقيبتك وتغادر بنفسك، أو أنتظر حضور الشرطة لتنفيذ أمر الإخلاء الفوري بناءً على الوثيقة الأخيرة التي لم أطلع أهلك عليها بعد".
ارتجف صوته وهو يحاول لمس كتفي، لكنه تراجع عندما رأى نظرة الحزم في عيني. لم يعد هناك مكان للرجعة، فالأوراق التي تثبت تورطه في محاولة الاستيلاء على ممتلكاتي عبر شبكة من الشركات الوهمية أصبحت الآن في مكان آمن، والنسخة الأصلية لعقد الشراكة السري باتت في يد محاميَّ المختص بالجرائم الاقتصادية.
أغلقت باب الشقة خلفه بهدوء تام، وتركت صدى إغلاقه يعلن نهاية فصل طويل من الخداع. بعد ساعات قليلة، تلقيت اتصالاً قصيرًا من المحامي يؤكد فيه استلام المستندات وبدء إجراءات تقديم البلاغ الرسمي للنيابة العامة بتهمة التزوير واستغلال الثقة، بينما بدأت هاتفي المحمول يتلقى رسائل متلاحقة من أمه وأقاربه محاولين التوسل والاعتذار، لكن الأوان كان قد فوات. جلستُ على مقعدي بهدوء، وأمام طاولتي وضعتُ الخطة البديلة التي كنتُ أجهزها بهدوء طوال الأسابيع الماضية، مستعدة لفتح صفحة جديدة بالكامل أكون أنا فيها وحدي كاتبة قصتي الحقيقية.