اختي التؤام

لمحة نيوز

صباح يوم الثلاثاء الهاديء بتاعي في منيابولس اتهد فجأة لما موظفة استقبال في عيادة أسنان في بلومنجتون كلمتني عشان تقولي إن توأمى جيما محتاجة توصيلة تروح بيتها. الرسالة المستحيلة دي جمدت جسمي كله لأن جيما كانت ماتت من عشر سنين في حادثة عربية بشعة قرب روتشستر. عيلتنا المكسورة دفنت صندوق فاضي بعد ما السلطات ملقيتش أي حاجة من الحطام المرعب ده، وسبتني أقضي عشرينات عمري كلها أتعلم إزاي أعيش من غير الإنسانة اللي كانت جنبى من ساعة ما اتولدت. سيبت كل اللي في إيدي وججريت على عربيتي وأنا في حالة من الرعب والذهول التام، ومش قادرة استوعب إزاي الصوت اللي في التليفون ممكن يكون بتاع أختي اللي حدت عليها وعيطت عشر سنين. السواقة الصعبة دي حسيتها كأنها أبدية وعقلي كان عمال يلف في ألف سيناريو مستحيل، بس مفيش أي حاجة قدرت تحضرني للحزات اللي زقيت فيها أبواب العيادة الإزاز الثقيلة وشفتها قاعدة بهدوء في ركن صالة الاستراحة.

كان شكلها أكبر وشعرها أقصر وفيه ندبة خفيفة على فكها، بس عيونها الخضراء المعروفة وطريقتها القلقة متغييروش خالص. حسيت بخلطة صعبة من الغضب واللخبطة، وطلبت منها دليل فوري على هويتها وهي واقفة في مكانها في الاستراحة. افتكرت بسهولة أسامينا السرية الطفولية لحتت خبطات حيطان الأوضة واعترفت أنها كسرت فازة بورسلين غالية في عاصفة تلجية، وده أثبت من غير شك إن توأمى كانت واقفة قدامي فعلاً. الحقيقة الصادمة دي ركبتني وخلتني أقع على ركبي لما استوعبت أنها نجت من الحادثة المرعبة دي في نص الليل وهي مطرة. فرحتي اتحولت لرعب فوري لما كشفت أنها مش بس كانت عايشة طول الوقت ده، دي كانت عايشة على بعد بلدتين بس من بيتنا القديم في مينتونكا. أساس واقعي اتهد تماماً وأنا بجبرها تركب عربيتي وطلبت منها تفسير لإزاي قدرت تسيب عيلتنا الحزينة.

خلال السواقة المشدودة لشقتها الحلوة، وضحت إن خبطة الرأس اللي جاتلها من الحادثة سببت لها فقدان ذاكرة جامد، وخلاها تبعد عن مكان الحادثة من غير إثبات هويتها. تعاطفي الأولاني طار بسرعة وتحول لخيانة عميقة لما اعترفت إن ذكرياتها الكاملة رجعت من ست سنين. بدل ما تتواصل عشان تنهي عذابنا المستمر، خدت قرار متعمد إنها تفضل ميتة بالنسبة لنا، واستخدمت خط تليفون قديم مفصول كحجة ضعيفة عشان تستسلم. جوه بيتها الدافي المليان نباتات مزدهرة وصصور لناس غريبة، استوعبت أنها بنت حياة مستقلة تماماً واستبعدتني خالص منها. اعترفت أنها كانت بتدخل تشوف بروفايلاتي على السوشيال ميديا من أربع سنين، واستخدمت صور حياتي اللي باينة سعيدة عشان تهدي إحساسها بالذنب وهي ببنانة أنانية بتحافظ على حريتها الجديدة. القسوة الصادمة لمراقبتها الصامتة وأنا بشتري حاجات متشابهة وأنا في حزن هادي سببت لي قطع نفس وغضب تام.

رفضت إنها تفضل متحكمة في قصتنا وقررت أبلغ أهلنا المكسورين فوراً بخبر نجاتها المعجزة. رد فعلهم كان مكس بين صدمة عميقة وحب أبوي ماكنش ليه حدود، وده خلص بقعدة رجوع مؤثرة جداً في شقتها بعد كام يوم. بس الجو الفرحان ده اتغير بسرعة لما أمنا حاولت ببراءة ترجع عادات العيلة القديمة وذكريات طفولتنا. جيما انهارت تحت الضغط، ووضحت إن غيابها الطويل كان سببه غضب دفين من إنها كانت دايماً بتتعامل كنص من قالب متشابه بدل ما تكون شخص مستقل لوحدها. هي فضلت بعيدة عشان كانت مرعبة إنها لما ترجع البيت هترجع تاني مجرد أختي التوأم، وده هيطمس الهويّة المستقلة اللي بنتها بعناية. ورغم إني قدرت أخيراً أفهم احتياجها الشديد للاستقلالية، إلا إني حطيت حدود جديدة بوضوح، وطلبت صراحة صدق تام ورفضت إنها تهرب كل ما توقعات العيلة بقت صعبة عليها.

إعادة بناء علاقتنا اللي اتقطعت خلال الشهور اللي بعد كده كانت عملية بطيئة وحساسة ومحتاجة صبر كبير من الكل. بدأت بغدا هادي بعد الظهر في كافيهات المنطقة، وبدأنا نتعلم بحذر عن بعض كستات كبار وكل واحدة ليها ذوقها ومخاوفها وأهدافها الشخصية المختلفة تماماً عن التانية. أبويا قدم حكمة واقعية خلال فترة الانتقال الصعبة دي، واعترف إننا نقدر نكون ممتنين جداً لنجاتها وفي نفس الوقت زعلانين بجد من عشر سنين الخداع اللي عملتهم. الحقيقة العاطفية المعقدة دي خلتني أخيراً أكسر عادات الحزن اللي كانت جواه زي إني اشتري حاجات التوأم دي باثنينات تلقائية. وأنا واقفة في المخبز بتاع منطقتنا بعد تلات أسابيع من الصلح المبدئي، طلبت بقصد قطعة باتيه واحدة ليا لوحدي وقطعة كرواسون شوكولاتة مختلفة تماماً ليها. وقعدنا سوا تحت الشمس الدافية، وعشنا أخيراً كشخصين منفصلين تماماً مبقوش محتاجين يطغوا على بعض أو يختفوا في بعض عشان يعيشوا حياة كاملة وليها معنى.

تم نسخ الرابط