جوزي بيقفل البرطمانات
ماهر سكت شوية، كان بيجمع كلامه، وأنا كنت واقفة في مكاني حاسة إن الأرض بتلف بيا. جملة "لازم تسيبيه" كانت بترن في وداني زي جرس إنذار. ماهر قعدني على كرسي السفرة وجاب لي مياه، وبدأ يشرح لي بهدوء، بس كلامه كان زي الصاعقة.
قال لي: "يا ندى، اللي بيعمله أحمد ده مش قلة ذوق ولا هزار ثقيل. ده اسمه "تحكم قهري" أو "Gaslighting" (تلاعب نفسي) بس بشكل مادي. هو بيحاول يحسسك بالعجز، بيحاول يوصلك لمرحلة إنك تحسي إنك من غيره ولا حاجة، وإنك مش قادرة تعملي أبسط أمور حياتك، حتى لو كانت فتح برطمان. هو بيعزل اعتماديتك عليه."
فضلت ساكتة، ودموعي نزلت بصمت. افتكرت كل مرة قالي فيها "إنتي هبلة؟ إنتي ضعيفة من غيري؟" افتكرت لما كنت بطلب منه يفتح لي حاجة، كان بيبتسم ابتسامة خفيفة ويقولي "أنا بس اللي بقدر أعملك الحاجات دي". افتكرت لما قولتله إني بحس إنه بيقفلهم بقصد، قالي "إنتي مريضة بالشك، إنتي بتخلقي مشاكل من العدم".
ماهر كمل كلامه وقال لي: "أحمد ذكي، بيعمل حاجات صغيرة تبان تافهة عشان لو اشتكيتي لحد، يقولوا عليكِ مجنونة. بس الفكرة إنه بيطبق ده على كل حاجة في حياتك، مش بس البرطمانات. فكري كويس، هل بيتحكم في لبسك؟ في خروجك؟ في علاقاتك بأهلك وصحباتك؟"
والله، كإن شالة غشامة اتشالت من على عيني. بدأت أربط الأحداث ببعضها. أيوه، أحمد كان دايماً بينتقد صحباتي، ويقولي أهلي بيتدخلوا في حياتنا، ويخليني أحس بتأنيب ضمير لو خرجت من غيره. كان دايماً يقولي "انتي ملكيش غيري". كان بيحدد ميزانية البيت، ويتحكم في كل قرش بصرفه. كان بيخليني أحس إني مذنبة لو طلبت أي حاجة لنفسي.
ماهر قالي: "ندى، أنا مهندس وعارف قوة الشد والضغط. اللي في البرطمانات ده محتاج قوة رجل رياضي، مش مجرد قفل عادي. أحمد بيعمل ده وهو واعي جداً. ولما بيشوفك بتعاني، ده بيغذيه، بيحسسه إنه هو المسيطر، إنه هو القوي. ده نوع من أنواع الإيذاء النفسي."
في اللحظة دي، حسيت بغضب شديد، غضب مش بس من أحمد، بس من نفسي إني سمحت لنفسي أعيش في الذل ده سنين طويلة. مسحت دموعي، وبصيت لماهر وقلتله: "شكراً يا ماهر. أنت فتحت عيني على حقيقة كنت برفض أشوفها. أنا لازم أمشي من هنا."
ماهر قالي: "أنا جنبك يا ندى، ومستعد أساعدك بأي حاجة. بس لازم تكوني ذكية، متخلهوش يحس بحاجة لحد ما تجهزي نفسك."
دخلت أوضتي، وقعدت أفكر. أحمد مسافر 6 أيام. قدامي فرصة ذهبية. بدأت أجمع حاجتي المهمة، دهبي، أوراقي، شهاداتي، وحاجات بنتي البسيطة. حطيتهم في شنطة صغيرة وخبيتها عند ماهر. بدأت أصور كل البرطمانات اللي في التلاجة والدواليب كأدلة. سجلت مذكرات صوتية بكل المواقف اللي حسيت فيها بالإهانة والتحكم.
كنت خايفة، مرعوبة، بس في نفس الوقت كنت حاسة بقوة غريبة، قوة إني هقدر أستعيد كرامتي. كلمت أختي، وحكيت لها كل حاجة، وكانت في صدمة، بس قالتلي "إحنا جنبك يا ندى، تعالي فوراً."
في اليوم الخامس من سفر أحمد، جالي رسالة منه: "راجعة بكرة يا حبيبتي، جهزي عشاء حلو عشان نحتفل."
قلبي وقع في رجلي. ماكنتش جاهزة 100%. بس قررت إني مش هستنى. اتصلت بماهر، وقلتله "أحمد جاي بكرة، لازم نهرب النهاردة."
ماهر جالي فوراً، وأخذنا الشنط وحطيناها في عربيته. أخذت بنتي وهي نايمة، وركبنا العربية. مشينا من غير ما نلتفت ورايا، من غير ما نسيب ورقة ولا كلمة.
رحنا بيت أهلي في القاهرة. أمي وأبويا استقبلوني بدموع، كأني كنت في سجن وخرجت. حكيت لهم كل حاجة، وكانوا في قمة الغضب من أحمد.
تاني يوم الصبح، أحمد اتصل بيا، كان بيزعق ويسألني "أنتي فين؟ وإيه المهزلة دي؟"
فتحت الاسبيكر، وأبويا رد عليه بصوت قوي: "بنتك في بيتها، يا أحمد، ومش راجعة لك تاني. ولو قربت منها أو من بنتها، هتشوف وش تاني عمرك ما شوفته."
أحمد سكت، وبعدين قال "ندى... إنتي بتهزري؟ عشان برطمانات؟"
أبويا قفله السكتة في وشه.
بعد أسبوع، قدمت بلاغ في الشرطة ضد أحمد بالإيذاء النفسي والتحكم القهري، وقدمت الأدلة اللي جمعتها، بما فيها شهادة ماهر وصور البرطمانات والتسجيلات الصوتية. المحامية بتاعتي قالت لي إن القضية قوية، وإني هقدر أحصل على الطلاق والنفقة وحضانة بنتي.
أحمد حاول يتصل بيا كتير، ويبعت رسائل اعتذار وندم، ويقولي "إنتي حياتي، مقدرش أعيش من غيرك." بس كنت خلاص، قلبي مات من ناحيته، وعرفت إن ده كله تمثيل، وإنه لو رجعت له، هيرجع لنفس الأسلوب وأسوأ.
بدأت حياة جديدة مع بنتي. اشتغلت مهندسة ديكور في شركة كبيرة، ورجعت أثق في نفسي وقدراتي. عرفت قيمة الحرية، قيمة الكرامة، قيمة إنك تكوني مع إنسان بيحترمك ويقدرك، مش بيحاول يحسسك بالعجز.
في يوم من الأيام، وأنا بتمشى في النادي مع بنتي، شفت أحمد. كان شكله تعبان، مبهدل، باين عليه الهم. بص لي بنظرة انكسار، ونزلت راسه ومشي.
حسيت بشفقة عليه، بس في نفس الوقت حسيت بانتصار. انتصرت على ضعفي، انتصرت على خوفي، انتصرت على الظلم.
البرطمانات... كانت مجرد رمز، رمز لسجن أنا كنت فيه، سجن قدرت أكسره وأخرج منه للنور. عرفت إن الحب مش تحكم، الحب مش إهانة، الحب مش تلاعب. الحب هو احترام، هو دعم، هو ثقة.
وعرفت كمان، إنك لو حسيتي إنك محبوسة في علاقة بتخليكِ تشككي في نفسك، في عقلك، في قدراتك، لازم تهربي فوراً، مهما كان الثمن، لأن كرامتك وحياتك أغلى من أي شيء في الدنيا. النهاية.