جوزي اتريق عليا اودام اصحابه
الدموع كانت متجمعة في عيني وناشفة في حلقي، ومش قادرة أستوعب البجاحة وقلة الذوق اللي جوزي طارق وصل لها. إزاي إنسان ممكن يبيع مراتي وأم عياله بالشكل الرخيص ده عشان يطلع لطيف قدام أصحابه؟ الصدمة كانت مخلاني واقفة مكاني زي المصدومة، ومش قادرة أنطق بحرف واحد. كل السنين اللي عشتها معاه، وكل التعب والتحمل اللي استحملتهم في تربية التلات توائم، هانوا عليه في لحظة عشان نكتة سمجة قالها بكل برود أعصاب قدام رجالة غريبة قاعدة في بيتنا.
في اللحظة دي، مصطفى، أقرب وأقدم صاحب لطارق، وقف قدامه بكل هيبة وجدية، وملامح وشّه كانت متبدلة وغضبانة لدرجة تخوف. مصطفى مابصش لطارق نظرة استخفاف، داه بصله نظرة كأن طارق ده كائن غريب أول مرة يشوفه. من غير ما ينطق بكلمة في الأول، مد إيده بقوة وخد العلبة من إيد طارق اللي اتفاجأ من حركة صاحبه المباغتة وفتح بوقه من الصدمة.
طارق بلع ريقه وقال بصوت متردد ومرتبك: — إيه يا مصطفى؟ في إيه يا عم، بهزر معاهم، منزلش على صوابعك ليه؟
مصطفى ماردش عليه فوراً، بل لف وشّه ناحيتي أنا اللي كنت واقفة على باب المطبخ مكسورة ومفروسة، وشاف نظرة القهر والكسفة اللي في عيني. وقتها، مصطفى اتجه ناحيتي خطوتين، ووطى صوته باحترام شديد وقال لي: — حقك عليا يا أم التلاتة.. اعتبريني أخوكي الكبير، واللي هعمله دلوقتي هو اللي مفروض كان الراجل ده عمله من أول ثانية بدل ما يتفلسف قدامنا.
قبل ما طارق يلحق يستوعب مصطفى رايح فين ولا ناوي على إيه، مصطفى فتح باب الشقة وخرج منها فجأة. البيت كله ساد فيه صمت رهيب، وباقي الصحاب الستة قاعدين على الكنبة بيبصوا لبعض في قمة الإحراج، وكل واحد منهم حط راسه في الأرض لأن الموقف كان أصعب وأسخف بكتير من إي واحد فيهم يتخيله. طارق كان واقف بيجز على سنانه، ووشه أصفر من الفشلة قدام ضيوفه، وبدأ يزعق بصوت عالي: — إيه قلة الذوق دي؟ هو اتجنن ولا إيه؟ ساب العزومة وماشي كده عيني عينك؟
مرت عشر دقايق تونسها أعصاب مشدودة، وأنا دخلت المطبخ وقعدت على الكرسي وأنا حاسة بقلبي بينبض بعنف.
مستحيل أسامح طارق على اللي عمله، ومستحيل أكمل حياتي مع شخص بيستقوى عليّا وبيستهتر بوجعي الطبيعي بعد ولادة صعبة هدّت حيلي. في اللحظة دي، التليفون بتاعي رن، وكان مصطفى اللي بيكلمني على الواتساب وكاتب لي: "افتحي الباب برة يا أم مريم، أنا برة ومعايا حاجة تخصك".
فتحت باب الشقة بحذر، ولقيت مصطفى واقف ومعاه كيسين كبار مليانين حاجات أشكال وألوان، وأنواع مختلفة من منتجات العناية الخاصة بالستات بعد الولادة، وأنواع غالية ونضيفة جداً من الماركات اللي أصلاً مش موجودة في العادي، ومعاهم علبة تانية فيها منتجات طبية أصلية ومتشبط عليها بكلمة ذوق واحترام. مصطفى حط الكراتين على الترابيزة اللي في المدخل، وبص لطارق اللي خرج وراه بغضب وقال له بصوت عالي وواضح سمّعه كل اللي في الصالة:
— اسمع يا طارق.. أنا كنت مستحمل قلة ذوقك وسلاطة لسانك سنين، وكنت بقول معلش عشرة عمر. بس توصل بك البجاحة إنك تجرح مراتك قدامنا بالوضع ده، وتجيب حاجة خصوصية جداً تخص جسمها وصحتها وتتمسخر بيها؟ أنت بني آدم جاهل ومعندكش أي ريحة الشهامة ولا الرجولة! الست دي شالت في بطنها تلات عيال في وقت واحد، جسمها اتهد وعضلات جسمها اتأثرت عشان تجيب لك عيال تفتخر بيهم، مش عشان تيجوا أنت وهي في الآخر تبيعوها وتكسروا خاطرها عشان تضحك شوية بهايم قاعدين معاك!
الكلمات نزلت على طارق زي الصاعقة. وشّه اتقلب أحمر وأسود وأزرق من كتر الفضيحة، وباقي الصحاب قاموا وقفوا واحد ورا التاني، وكل واحد فيهم بص لطارق باحترام مسلوب ونظرة قرف، وقالوا لطارق بصوت واحد: — عيب عليك يا طارق.. والله عيب قوي اللي عملته ده. إحنا ماشيين، ومكنش المفروض نيجي نقعد في بيت واحد زيك أصلاً.
وفعلاً، في ثواني، البيت كله فاضي ومبقاش فيه حد غير طارق الواقف زي المذلول، وأنا اللي كنت واقفة عند باب المطبخ وعزة نفسي بتلمع في عيني ومطلعتش دمعة واحدة بعد الموقف ده، لأن غضبي كان أكبر بكتير من دموعي. طارق دخل عندي المطبخ، وكان هينطق بكلمتين اعتذار، بس قطعت كلامه بوقفة صارمة وصوت مرعب ومسموع: — إياك تنطق بكلمة واحدة.. وإياك تقرب مني أو من عيالي! اللي حصل برة ده مش مصادفة، ده حقيقتك اللي كنت مخبيها ورا ضحكتك الباردة. الشقة دي أصلاً بتاعتي وبفلوسي قبل ما نتجوز، وأنت من اللحظة دي برة حياتي.. والمأذون هو اللي هيحكم بينا!
طارق اتصدم وقال بصوت مكسور: — إيه يا أم مريم؟ هتهوني عليك عشرة السنين عشان بهزر هزار غشيم؟ طلاق إيه وبيت إيه؟ أنا أبو عيالك! — أبو عيالك دي تخليها لنفسك.. الرجولة مش إنك تجيب أكل وتفتح صدرك، الرجولة صون وستر وغطاء لبيتك ومراتك، وأنت للأسف خريج مدرسة البجاحة ومش رجولة خالص. اخرج برة الشقة دي الليلة دي لحد ما أظبط أموري، ومش عايزة أوشك يلمح وشك هنا تاني!
من الليلة دي، طارق خرج مقهور ومكسور بعد ما صحابه قاطعوه وكل اللي حواليه عرفوا بطبيعته الدنيئة. وأنا، وقفت على رجلي من تاني، ونزلت شغلائي، وربيت عيالي الثلاثة بعز وكرامة وبدون ما استنى إحسان من راجل مبيعرفش معنى الأصول. ودايماً كنت بفتكر موقف مصطفى الشجاع اللي عرفني إن لسه فيه رجالة بجد بتعرف تستر وتصون وتجيب الحق أياً كانت الظروف.