بعد ست شهور من الطلاق، كنت قاعد على رأس ترابيزة اجتماعات فخمة في وسط القاهرة

لمحة نيوز

بعد ست شهور من الطلاق، كنت قاعد على رأس ترابيزة اجتماعات فخمة في وسط القاهرة، قدامى ثواني معدودة عشان أمضي أكبر عقد في شغلي، وفجأة تليفوني رن وكان ده البداية اللي غيرت كل مفاهيمي عن الحياة وعن نفسي.

كنت خلاص هطنش المكالمة وعندي قاعدة صارمة في الاجتماعات إن الأرقام الغريبة تستنى، لكن فيه حاجة جوايا في اللحظة دي خلتني أمد إيدي وأرد وغصب عني اتغير مسار يومي كله.

ردت الدكتورة فاطمة الشريف من مستشفى النيل الدولي وقالت لي إن ابني وصل بدري عن المعاد وبصوت هادي ودقات قلب سريعة ما قدرتش أنطق، وفي ثواني اختفت من قدامي ترابيزة الاجتماعات والمستثمرين وكل الحسبة المادية الضخمة اللي كنت عايش فيها.

ما بقاش في دماغي غير اسم فريدة طليقتي والوجع القديم اللي حاولت أنساه طوال ست شهور فاتت.

قمت بسرعة لدرجة إن كرسيّ رجع لورا وسألتها بتعجب ليه بتم كلمني وبترشح اسمي، لحد ما قالت لي الجملة الفاصلة إن فريدة سابت اسمك كأبو الطفل.

هنا رجعت بذاكرتي لليلة القاسية اللي حصلت قبل الطلاق بفترة قصيرة، ليلة كانت مليانة بالصمت والبرود والهروب من الحقيقة، وقت ما كنت فاكر إن كل واحد فينا اخترق طريق مختلف ومفيش نقطة لقاء تانية بينا.

طلعت من أسرار تليفوني القديم مسجات ومكالمات ضايعة ورسالة أخيرة غيرت نظرتي لكل اللي حصل بينا يوم ما اتهدم بيتنا.

سألت نفسي ألف مرة إزاي مكنش عندي فكرة إن فريدة كانت حامل، وإزاي البعد خلاني أعيش في وهم إنها باعتنا واختارت حياة tانية بعيدة عني، بينما هي كانت بتعاني لوحدها وبتواجه ظروف صحية صعبة وصلت بيها للولادة المبكرة في الأسبوع التلاتين.

ركبت عربيتي وسوقت بجنون وأنا تايه في شوارع القاهرة لحد ما وصلت للمستشفى، ودخلت بخشوع والقلق بياكل قلبي لحد ما وصلت لأوضتها، ولقيتها نايمة على السرير ووشها باهت والتعب واضح عليها.

وجنبها إحضان النسايم الهادية لطفل صغير لسه بيفتح عيونه على الدنيا، طفل دموي وضعيف بس هو قطعة مني ومنها.

أول ما فتحت عيونها وبصت لي، حسيت إن الزمن رجع بينا ورا لنقطة الصفر، وبدل ما تتكلم وتلومني على سنين البعد، نزلت دموعها في سكون وقالت لي بصوت تعبان إنها كانت مستنياني بس خافت تكمل.

قالت إنها ما رضيستش تفرض نفسها على حياة كنت واضح فيها إنها بقت عبء عليا، وقعدت جنبها على الكرسي ومسكت إيدها اللي كانت باردة.

طلعت جوايا كل المشاعر اللي كتمتها، واعتذرت لها عن كل لحظة غرور وسكت عنها، وعن كل مرة سمحت لشغلي ولضغوط الحياة إنها تبعدنا عن بعض لحد ما وصلنا لحافة الهاوية.

عرفت منها إنها حاولت تكلمني كذا مرة في الفترة اللي بعد الطلاق بس أنا كنت قافل باب التفاهم ومقاطع أي وسيلة اتصال بيننا، وإنها خبت خبر الحمل مش قسوة ولا إنتقام، بل خوف إن الطفل يربطنا ببعض غصب عننا في مرحلة كنا كارهين فيها بعض.

بس لما الأقدار ساقتني للمستشفى في اللحظة دي، فهمت إن الحياة بتدينا فرصة تانية عشان نصلح اللي كسرناه ونبدأ من جديد.

قعدت أيام وليالي في المستشفى جنب فريدة وابننا اللي سميناه حمزة، وكل يوم بيعدي كان بيقربنا لبعض أكتر، وكنت ببص لحمزة وأحس إنه الحقيقة الوحيدة الصافية في وسط زحمة الأخطاء.

بدأت أراجع نفسي في كل أولوياتي وفي طريقة إدارتي لحياتي اللي كانت مخلياني دايماً في جري مستمر ورا الوهم على حساب بيتي ومراتي.

فريدة كانت بتتعافي ببطء، وكل يوم كنا بنقضيه مع بعض في الاوضة البيضاء الهادية دي كان بيمسح جرح قديم جوانا، لحد ما جه اليوم اللي خرجنا فيه ورجعنا لبيتنا القديم.

بس المرة دي رجعنا مش كأغراب ولا كطليقين بيني وبينها جدران عالية، بل كعائلة اتأسست من جديد على أنقاض الوجع والفهم العميقة.

لقيت نفسي بشكر الظروف والمكالمة الغريبة اللي أنقذتني من نفسي ورجعت لي أغلى حاجة ضاعت مني، وعرفت إن الحياة أحياناً بتهد كل اللي بنيناه عشان تورينا إيه الصح بجد المفروض نعيش عشانه.

تم نسخ الرابط