كنت في سن المراهقة عندما

لمحة نيوز

كنتُ ما زلتُ في طيش السادسة عشرة من عمري عندما حضرتُ حفل زفاف ابنة عمتي. كانت الأجواء صاخبة والموسيقى تعلو في كل مكان، ولم أكن أفكر في المستقبل ولا في عواقب أي حركة أتقرب بها إلى الفرح؛ فقمتُ لأرقص بكل عفوية وسط أبناء وبنات عمتي. وفي غمرة الرقص، تفاجأتُ بالمصورة توجه عدستها نحو وجهي وتركز عليّ بشكل ملحوظ. لم أهتم وقتها، فالصبيّة التي كانت تصور هي الأخرى من أقاربنا، ولم يخطر ببالي قط أن تلك الثواني المعدودة ستصبح يومًا ما قنبلة موقوتة تهدد حياتي واستقراري.
​مرت السنون، وسبحان من يغير الأحوال ولا يتغير؛ فقد هداني الله عز وجل واستشعرتُ حلاوة القرب منه. تركتُ الأغاني والرقص وكل تلك الحياة السابقة، وأقبلتُ على عبادتي بقلب نادمٍ صادق. ورزقني الله بزوج صالح، فبنيتُ معه بيتًا هادئًا قائمًا على المودة والمخافة من الله، وكنت أظن أن ماضي المراهقة قد طُويت صفحاته وأصبح نسياً منسياً.
​لكن الصدمة جاءتني من حيث لا أحتسب؛ إذ زارتني ابنة خالتي يومًا والتردد يملأ عينيها، لتخبرني بأنها كانت في زيارة لبنت عمتي (صاحبة الزفاف القديم)، وأنها قامت بتشغيل شريط الفيديو القديم أمام الجمع، وعندما ظهر مقطعي وأنا أرقص، بدأت الهمسات والتعليقات الجارحة تنهال عليّ.
​شعرتُ بغصة تخنقني، فتناولتُ هاتفي فورًا واتصلتُ ببابنة عمتي، ترجيتها بقلب منكسر وصوت يرتجف: «الله يستر عليكِ، لا تعرضي هذا المقطع لأحد.. كُنْتُ صغيرة وغير مدركة، والله هداني وتغيرت حياتي، ولكل منا عيوب وذنوب سترها الله عليه.» لكنها ردت بكل قسوة وجفاء: «هذا زفافي وأنا حرة فيما أعرضه، وهذا جزاء ما فعلتِه قديمًا!» ثم أغلقت الخط في وجهي دون رحمة.
​انهارت دموعي ورفعتُ كفيّ إلى السماء أردد: «يا رب، استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.»
​ولم تقف المأساة عند هذا الحد؛ فبعد أيام قليلة اتصلت بي قريبة أخرى لتؤكد لي أن ابنة عمتي أعادت عرض المقطع مجددًا أمام ضيوف آخرين، مصرة على إيذاي وتشويه سمعتي. بدأت نظرات الأقارب تتغير من حولي، وسرت الشائعات كالنار في الهشيم، حتى وصلت الأخبار إلى زوجي!
​انقلبت حياتي إلى كابوس حقيقي؛ تغيرت معاملة زوجي، وصار الشك والحديث المهين يخيمان على بيتنا الصغير، وشعرتُ أن الماضي الذي تبتُ عنه ينهدم به حاضري ومستقبلي. وفي لحظة انكسار وحزن شديد، بكيتُ بحرقة ورفعت يدي بقلب مظلوم وقلت: «يا رب، احرق قلبها كما أحرقت قلبي، وافضحها كما فضحتني وأفسدت حياتي!»
​لم تمضِ سوى أيام معدودة، حتى اهتزت العائلة خبر صاعق؛ لقد اندلع حريق مروع في منزل ابنة عمتي التهم المكان بالكامل، ونُقلت على إثره إلى المستشفى في حالة حرجة!
​أسرعتُ إلى المستشفى وأنا أمشي كالمغشي عليها من الصدمة. وعندما وصلتُ ورأيتها غائبة عن الوعي والأطباء يحاطون بها، وقفتُ على باب الغرفة أرجف من الهول، وبكيتُ بكاءً مريراً. لم أستطع حتى الاقتراب منها من هول المشهد وعظمة القصاص الإلهي. خرجتُ من المستشفى والدموع تتساقط على وجهي وأنا أردد بقلب خائف ومستسلم: «يا رب عليك توكلت وأنت خير الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون.»

تم نسخ الرابط