أعطى راتبه كاملًا لأمه وتباهى… فواجهته بسؤال واحد قلب حياته رأسًا على عقب
الجزء الأول
عاد زوجي بفخرٍ واضح، وقال إنه أعطى راتبه كاملًا لوالدته واستأجر لها شقة. ابتسمتُ فقط، وقلت بهدوء ممتاز والآن أخبرني، ماذا ستأكل غدًا؟ وأين ستنام هذه الليلة؟ ضحك، ظنّ أنني أمزح. ثم وضعتُ ملفًا أسود على الطاولة. وحين قرأ الصفحة الأولى ماتت ابتسامته على شفتيه.
كان خالد يملك المال دائمًا لأمه. أما أنا، فلا. إذا طلبتُ منه المساعدة في الإيجار، تنهد. إذا نقص الطعام، قال إن وضعه صعب. إذا ذكّرته بالكهرباء أو الماء أو أقساط مدرسة ابني، غضب. لا تبالغي يا سارة أنتِ دخلك جيد.
نعم. كان دخلي جيدًا. لأنني كنت أعمل عشر ساعات يوميًا في عيادة خاصة في عمّان، ثم أعود لأطبخ، وأغسل، وأراجع دروس يزن، ابني ذو الثمانية أعوام. أما خالد فكان يخرج من عمله، يمرّ لشراء طعام جاهز، يستلقي، ويقول إنه مرهق. لكن لأجل أمّه، أمينة كان يجد دائمًا الطاقة. أمي المسكينة وحدها. أمي تحتاج دواء. أمي لا تستطيع العيش في ذلك المنزل.
الأم المسكينة كانت تملك أرضين، وراتب تقاعد، وابنًا تعيش على حسابه وعلى حسابي أنا، ولسانًا قادرًا على كسر أي قلب. منذ تزوجت خالد، وهي تصفني بأنني مصلحة. رغم أنني دخلت هذا البيت بسيارتي، وعملي، ومدخراتي. رغم أنني أنا من دفعت تكاليف عمليته حين تعرّض لحادث بسبب تهوره. رغم أنني أنا من سدّدت ديونه التي أخفاها عني قبل الزواج.
في تلك الليلة، دخل خالد بابتسامة عريضة، كأنه أنقذ العالم. يداه كانتا فارغتين. لا حليب. لا خبز. ولا حتى مستلزمات الطفل التي تركتها أخته مرة أخرى في غرفة المعيشة. حبيبتي قال وهو يخلع ساعته أمي كانت بحاجة ماسة. استأجرت لها شقة وأعطيتها راتبي كله. قالها بفخر. كطفل ينتظر التصفيق.
وضعتُ السكين على الطاولة ببطء. كان يزن في غرفته. الحمد لله. ممتاز قلت دون أن أنظر إليه والآن أخبرني ماذا ستأكل غدًا؟ وأين ستنام الليلة؟ ضحك. سارة، لا تبدأي بهذه الدراما. هذه ليست دراما. إنها أمي. وهذا منزلي.
تغير وجهه. منزلنا. ابتسمت. حينها أدركت أنه لم يقرأ شيئًا يومًا. لا عقدًا. ولا فاتورة. ولا الحياة التي حملتها وحدي، بينما كان يتظاهر بأنه الابن المثالي بأموال ليست له.
توجهت إلى درج الطاولة، وأخرجت الملف الأسود. الملف الذي احتفظت به ثلاث سنوات. ووضعته أمامه. دخلت أمينة دون أن تطرق الباب، كعادتها، وتوقفت عند المدخل. ما هذا؟ سأل خالد. واقعك.
فتح الملف بضيق. الصفحة الأولى سند ملكية المنزل. الصفحة الثانية كشوفات الحساب. الصفحة الثالثة عقد الزواج بنظام الفصل المالي. الصفحة الرابعة إيصالات بكل مبلغ دفعته. الإيجار. الطعام. سيارته. بطاقاته. أدوية والدته. حتى عربون الشقة الجديدة لوالدته لم يُدفع من راتبه. بل من بطاقة ائتمانية إضافية فتحها باسمي دون علمي.
تجمّد خالد. سارة لا. رفعت يدي. لا تنطق اسمي وكأنني ما زلت ملكك.
اقتربت أمينة بغضب. لا تتحدثي مع ابني بهذه الطريقة! نظرتُ إليها. وللمرة الأولى لم أخفض صوتي. ابنكِ تعلم أن يبكي حين يريد شيئًا. وأنا تعلمت أن أغلق الأبواب حين أكتفي من دفع ثمن من لا يستحق.
ضرب خالد الطاولة. إنها أمي! وأنا المرأة التي أغرقتها بالديون لتُنفق عليها. ابتلع ريقه. يمكنني إصلاح كل شيء. لا.
فتحت القسم الأخير من الملف، وأخرجت ورقتين. واحدة كانت بلاغًا رسميًا. والأخرى أمر منع مؤقت. شحبت أمينة. ماذا فعلتِ؟ ما كان يجب أن أفعله يوم أخبرتِ ابني أنني لست عائلته الحقيقية.
تجمّد خالد. ماذا؟ نظرت إليه بهدوء مؤلم. نعم يزن سمع كل شيء. ساد الصمت. ومن الممر، خرج يزن ممسكًا دميته. عيناه حمراوان. حاول خالد الاقتراب منه. لكن يزن تراجع. وكان ذلك كافيًا ليكسر شيئًا داخله. ليته انكسر منذ زمن.
رنّ جرس الباب. ثلاث طرقات حادة. ارتجفت أمينة. من هذا؟ سأل خالد بقلق. أمسكت الملف، واتجهت نحو الباب. المحامي. أي محامٍ؟
فتحت الباب. كان المحامي سامر يقف مع شرطيين، يحمل ظرفًا رسميًا مختومًا. نظر إليّ بحزن. ثم إلى خالد. سيدي قبل أن نتحدث عن قضية البطاقات هناك أمر أخطر. أطلقت أمينة أنينًا. لا تقل شيئًا نظر خالد إليها بقلق. أمي؟
رفع المحامي الظرف. زوجتك طلبت التحقيق في الشقة التي استأجرتها لوالدتك. تجمّد خالد. وماذا؟ تنفّس المحامي بعمق. تلك الشقة مسجلة باسم والدتك منذ ست سنوات.
نظرتُ إلى خالد للمرة الأخيرة. وقلت بهدوء والآن اسألها من أين جاء المال لشرائها.
الجزء الثاني
نظر خالد إلى والدته وكأنه يراها لأول مرة دون ذلك التقديس الذي وضعها فيه طوال سنوات. أمينة المرأة التي كانت تدخل بيتي دائمًا مرفوعة الرأس، انكمشت فجأة عند المدخل. أصابعها شدّت حقيبتها الجلدية الرخيصة وكأنها درع يحميها. أمي قال خالد عمّ يتحدث هذا الرجل؟ فتحت فمها. لكن لم يخرج صوت.
وضع المحامي سامر الظرف الأصفر على الطاولة، فوق الإيصالات التي جمعتها طوال السنوات كما يجمع الإنسان الحجارة ليبني بها طريق هروبه. قبل ست سنوات قال بهدوء قامت السيدة أمينة بشراء شقة في منطقة جبل عمّان عبر عقد خاص. الدفعة الأولى خرجت من حساب مرتبط بالسيد خالد، لكن بقية الدفعات خرجت، بشكل مباشر أو غير مباشر، من حسابات السيدة سارة.
التفت خالد نحوي. هذا غير صحيح. بل هو صحيح قلت بهدوء فقط أنت لم تكن تقرأ كذبك.
حاولت أمينة استعادة صوتها. أنا لم أسرق شيئًا. ابني ساعدني بإرادته. نظر إليها المحامي بثبات. المشكلة يا سيدتي أن جزءًا من هذا المال جاء من بطاقات ائتمان فُتحت باسم السيدة سارة دون علمها. كما أن هناك تحويلات تمت من بطاقة إضافية استخرجها السيد خالد باستخدام مستندات معدّلة.
رمش خالد بذهول. مستندات معدّلة؟ قالها وكأنها إهانة لا حقيقة. قلت توقيعك لم يكن كافيًا. استخدمت نسخًا من هويتي. نسخًا تركتها في حقيبتك عندما قلت إنك ستجدد تأمين السيارة.
كان يزن لا يزال في الممر، يحتضن دميته. كنت أريد أن أغلق أذنيه، لكنّه سمع ما يكفي في هذا البيت. سمعني أبتلع التعب. سمع خالد يصرخ. وسمع أمينة تناديه ولدي بينما كان ابني يتعلم أن النساء المتعبات يمكن أن يكنّ بنكًا مفتوحًا.
سارة قال خالد بصوت منخفض لم أظن أن الأمر خطير إلى هذا الحد. هنا كانت الحقيقة. لم يقل لم أفعل. قال لم أظن أنه خطير.
اقتربت أمينة منه وأمسكت ذراعه. لا تقل شيئًا. نزع يده ببطء. كأن لمسها أصبح يحرِقه لأول مرة. الشقة كانت لكِ؟ ابتلعت ريقها. كانت استثمارًا. ولماذا طلبتِ مني أن أستأجر لكِ شقة أخرى؟ كنت بحاجة للمال. أعطيتك راتبي كاملًا. أنا أمك. قالتها تلقائيًا. جملة محفوظة. سمعتها مرات كثيرة حتى لم تعد تبدو حبًا، بل أصبحت مفتاحًا.
مرر خالد يديه على وجهه. قلتِ لي إنك ستُطردين. رفعت رأسها. وصدقتني لأنك ابن صالح. قلت بهدوء لا. صدقها لأن كونه ابنًا صالحًا كان أسهل عليه من أن يكون زوجًا صالحًا. على الأقل نفسيًا. لأن المال كنت أنا من أدفعه دائمًا.
نظر إليّ كأنني خنته. كيف فعلتِ بي هذا؟ ضحكت. ضحكة قصيرة جافة. أنا؟
وقف الشرطيان عند الباب دون تدخل. المحامي كان قد أخبرني أن