منذ أن كنت في الرابع عشر من عمري...

لمحة نيوز

صمتت للحظات…ثم قالت جملة جعلت الدم يتجمّد في عروقي:

“الحقيقة التي أخفاها والدكم عنكم عشرين سنة… حتى لا تخسروا أمكم.”

تجمّدنا في أماكننا بعد تلك الجملة.

شعرتُ وكأن الهواء اختفى من حولي فجأة.

أما حسام…
فنظر إليها بغضب وقال بحدّة:
“ما هذه التمثيلية الجديدة؟!”

لكن المرأة لم تغضب.

بل بقيت تنظر إلينا بعينين متعبتين، ثم قالت بصوت منخفض:
“والدكم لم يكن رجلًا سيئًا… لكنه اختار أن يتحمل الظلم وحده.”

ثم دفعت المفتاح نحونا وغادرت.

وقفتُ أراقبها وهي تبتعد وسط الزحام، بينما داخلي يمتلئ بشعور غريب لم أفهمه.

الخوف.

لأول مرة منذ سنوات…
شعرتُ بالخوف من الحقيقة نفسها.

في تلك الليلة لم أستطع النوم.

بقيتُ أفكر في كلامها مرارًا.
وفي جملة أبي التي كان يرددها دائمًا:
“سيأتي يوم وتفهمين الحقيقة.”

وفي صباح اليوم التالي…
ذهبنا أنا وحسام إلى بيت أبي القديم في أطراف بغداد.

كان البيت هادئًا بطريقة مؤلمة.

رائحة أبي ما زالت في المكان.
سجادته الصغيرة قرب النافذة.
مصحفه المفتوح.
ونظارته الموضوعة فوق الطاولة كأنه سيعود بعد قليل.

شعرتُ باختناق شديد.

أما حسام…
فكان يحاول أن يبدو قويًا، لكنه كان مرتبكًا مثلي تمامًا.

دخلنا غرفة أبي.

ثم اقترب أخي من الخزانة الحديدية القديمة وفتحها بالمفتاح.

صدر صوت خفيف…
ثم انفتح الباب ببطء.

في البداية لم نجد شيئًا غريبًا.

بعض الملفات.
أوراق رسمية.
صور قديمة لنا ونحن أطفال.

لكن في الأسفل…
كان هناك صندوق خشبي صغير.

أخرجه حسام ووضعه فوق السرير.

ثم فتحه ببطء.
وفجأة…
ساد الصمت.

كانت داخل الصندوق عشرات الرسائل المرتبة بعناية، وبعض التسجيلات القديمة، ومجموعة صور ملفوفة بقطعة قماش.

مددتُ يدي المرتجفة وأخذت أول رسالة.

وكان مكتوبًا عليها:

“إلى ابنتي مريم… إذا قرأتِ هذه الرسالة يومًا، فاعلمي أنني كنت أحبك أكثر من نفسي.”

شعرتُ بأن قلبي توقف.

جلستُ على الأرض فورًا وبدأت أقرأ.

وكان خط أبي واضحًا أمامي.

“أعرف أنكم تظنون أنني خنت عائلتي، لكنني أقسم بالله أنني حاولت إنقاذ هذا البيت حتى آخر لحظة.”

بدأت دموعي تنزل دون أن أشعر.

أما حسام…
فأخذ تسجيلًا قديمًا ووضعه في المسجل الصغير الموجود داخل الصندوق.

ثم انطلق صوت أبي فجأة داخل الغرفة.

صوته الحقيقي.

الصوت الذي افتقدناه سنوات دون أن نعترف بذلك.

قال بهدوء متعب:
“إذا وصلتما إلى هذه التسجيلات… فهذا يعني أنني رحلت.”

ثم صمت لثوانٍ.

وأضاف:
“وأرجو أن تسامحاني.”

شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي كله.

أما حسام…
فأطفأ التسجيل بعصبية وقال:
“لا أريد سماع شيء!”

لكنه عاد وشغّله بعد لحظات.

وكأن جزءًا داخله كان يريد الحقيقة مهما كانت مؤلمة.

ثم قال أبي جملة غيّرت كل شيء:

“أنا لم أترك أمكما من أجل امرأة أخرى… بل خرجتُ من البيت يوم اكتشفتُ أنها كانت تخونني.”

شعرتُ بأن رأسي يدور.

نظرتُ إلى حسام بسرعة…
فوجدته شاحب الوجه تمامًا.

ثم أكمل أبي بصوت مكسور:
“كنتُ عائدًا من العمل مبكرًا ذلك اليوم… وعندما دخلتُ البيت سمعتُ صوت رجل داخل غرفتي.”

بدأت يداي ترتجفان.

وأبي يكمل:
“لم أصدق في البداية… لكنني رأيته بعيني.”

ثم صمت للحظات طويلة.

حتى إننا سمعنا صوت بكائه في التسجيل.

قال بعدها:
“حاولتُ أن أستر الأمر… من أجلكما.”

لم أعد قادرة على التنفس.

كل الذكريات بدأت تعود دفعة واحدة.

الصراخ ليلة الطلاق.
بكاء أمي.
صمت أبي.

 

تم نسخ الرابط