ابدئي الطبيخ الساعة 3 الفجر!
ابدئي الطبيخ الساعة 3 الفجر!
كده قالتلي حماتي وهي بتحدفلي ورقة فيها أسامي خمسين بني آدم، وكأنها بتدي أوامر لعاملة مش لست البيت!
بصيت في الورقة واتصدمت
50 ضيف!
خمسين شخص مطلوب مني أطبخلهم وأجهزلهم حفلة كاملة لوحدي، عشان جوزي خد ترقية في شغله وقرر هو وأمه يعملوا عزومة العمر من غير حتى ما ياخدوا رأيي.
حماتي نادية وقفت قدامي وقالت بمنتهى البرود الست الشاطرة تقف جنب جوزها ومتتكلمش كتير.
أما جوزي كريم فكان واقف يتفرج ومستمتع بالمشهد، وقاللي إوعي تفضحيني قدام الناس.
ساعتها حسيت إن حاجة جوايا ماتت.. مش زعل، ولا قهر، لا.. تعب. تعب ست سنين كاملة من الإهانة والسكوت. ست سنين وحماتي بتعاملني كخدامة، وهو عمره ما دافع عني ولا مرة.
فضلت مبتسمة وهزيت راسي وقلت حاضر كله هيبقى جاهز.
فاتخدعوا، وافتكروا إني كالعادة هسكت. بس اللي ماكانوش يعرفوه اصحي الساعة 3 الفجر وابدئي الطبيخ.. الجملة دي كانت آخر حاجة سمعتها من حماتي قبل ما أسيب البيت كله وامشي من غير رجعة.
أنا اسمي سارة، وعندي 32 سنة، ومتجوزة كريم بقالي ست سنين. ست سنين كاملة كنت بحاول أبقى الزوجة المثالية اللي كل الناس بتحكي عنها؛ الزوجة اللي تستحمل، اللي تعدي، اللي تسكت علشان البيت ما يخربش. بس للأسف، محدش قالي إن السكوت الكتير بيخلي الناس تفتكر إن من حقها تدوس عليك أكتر.
حماتي نادية كانت من النوع اللي لازم يتحكم في كل حاجة، كل حاجة حرفيًا. تدخل مطبخي وتغير أماكن الأطباق، تفتح التلاجة وتعلق على الأكل، تبص على هدومي وتقول هو ده اللي لابساه لما جوزك يرجع من الشغل؟ وأحيانًا كانت تستنى لما يبقى البيت مليان ناس وتقول بصوت عالي كريم كان ممكن يتجوز واحدة أحسن من كده بكتير.
وكل مرة كنت أبص لجوزي مستنية منه كلمة؛ أي كلمة، اعتراض، دفاع، حتى نظرة تضايق. لكن ولا مرة حصل، كان يا إما يسكت، يا إما يضحك، وفي أوقات كتير كان يوافقها. ومع الوقت بدأت أحس إني مش زوجة أصلًا، حاسّة إني خدامة عايشة عندهم. ورغم كل ده كنت بقول لنفسي اصبري يا سارة أكيد هييجي يوم ويحسوا بقيمتك. بس اليوم ده عمره ما جه، بالعكس، كل سنة كانت أسوأ من اللي قبلها.
وفي يوم الخميس اللي غير حياتي كلها، رجعت من الشغل تعبانة بعد يوم طويل جدًا. دخلت البيت لقيت حماتي قاعدة في الصالون وكأنها صاحبة المكان، قدامها دفتر وقلم وكوباية قهوة. ولما شافتني دخلت قالت تعالي يا سارة. كان صوتها غريب، صوت حد جاي يبلغك بقرار مش يناقشك فيه.
قعدت قدامها، فمدت إيديها وادتني ورقة مطوية. فتحتها، في الأول افتكرت إنها قائمة مشتريات، لكن لما ركزت اتصدمت.. أسامي كتير جدًا. فضلت أعد واحد، اتنين، عشرة، عشرين، أربعين، خمسين.
رفعت عيني أبصلها وقلت إيه ده؟
قالت بمنتهى البساطة دي قائمة الضيوف.
سألتها ضيوف إيه؟
ردت وكأن الموضوع طبيعي جدًا حفلة ترقية كريم.
في اللحظة دي دخل كريم المطبخ، كان باين عليه إنه عارف كل حاجة. قلت له إنت عامل حفلة لخمسين شخص في بيتنا من غير ما تغولي؟
رد ببرود ما هو مش محتاج أقول.
افتكرت إني ما سمعتش كويس، قلت يعني إيه مش محتاج تقول؟
حماتي قاطعتني وهي بتشاور على الورقة المهم إنك تبدئي الطبيخ بدري.
قلت بدري يعني إمتى؟
ردت الساعة 3 الفجر.
فضلت باصة لها ثواني، مستنية تضحك وتقولي إنها بتهزر، لكنها كانت جد جدًا. قالت في محشي وورق عنب وصواني فراخ ولحمة وحلويات وسلطات. وبعدين كملت بمنتهى الوقاحة خمسين ضيف مش هيأكلوا نفسهم يعني.
بصيت لكريم، وقلت إنت موافق على الكلام ده؟
رد وهو بيبص في موبايله دي حفلة مهمة جدًا بالنسبة لشغلي.
قلت وأنا؟
رفع عينه ناحيتي لأول مرة وقال إوعي تعملي مشكلة وتحرجيني.
الكلمة دي كانت كأن حد ضربني بالقلم على وشي. إوعي تحرجيني.. مش إوعي تتعبي، مش إوعي تضغطي نفسك، مش حتى شكرًا، كل اللي فارق معاه شكله قدام الناس.
وقتها حسيت بحاجة غريبة جدًا؛ الغضب اختفى، والزعل اختفى، حتى الدموع اختفت، فضل بس إحساس واحد إني شبعت إهانة، شبعت تنازلات، شبعت دور الضحية اللي الكل متوقع منها تسامح كل مرة.
ولأول مرة من ست سنين، خدت قرار لنفسي؛ قرار ما استأذنتش فيه حد، ولا فكرت هيزعل مين. ابتسمت ابتسامة هادية جدًا، وقلت حاضر يا طنط نادية كله هيبقى جاهز.
ابتسمت هي بانتصار، واتنفس كريم براحة، وافتكروا إني كالعادة هسكت.
لكن اللي ماحدش فيهم كان يعرفه، إن حقيبة سفري كانت متجهزة من يومين، وإن عقد شغل جديد مستنيني في مدينة تانية، وإن أختي كانت مستنياني أقول كلمة واحدة بس علشان تبعتلي تذكرة السفر، والأهم من كل ده إني كنت خلاص قررت أمشي وأسيبهم يواجهوا الفوضى اللي صنعوها.
الساعة كانت قربت على اتنين ونص بعد نص الليل. البيت كله نايم، وأنا واقفة لوحدي في المطبخ. بصيت حواليّا؛ أكياس خضار مرمية على الرخامة، صواني فاضية مستنية تتملّي، كيلوهات لحمة وفراخ في التلاجة، وعلى الترابيزة ورقة كبيرة كاتبة فيها حماتي بخطها تعليمات لكل حاجة المحشي يخلص الأول، الحلويات قبل الساعة 9، ترتيب السفرة قبل وصول الضيوف، ممنوع أي تأخير.. كأنها بتدي أوامر لشركة تنظيم حفلات مش لست المفروض إنها فرد من العيلة.
وقفت دقيقة كاملة باصة للورقة، وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة أوي، أول مرة أضحك من قلبي من شهور، لأن الحقيقة أخيرًا بقت واضحة هما عمرهم ما شافوني زوجة، ولا بنت، ولا إنسانة أصلًا، أنا بالنسبة لهم كنت مجرد شخص موجود علشان يخدمهم.
بس الليلة دي كانت مختلفة. فتحت الدرج، طلعت دبلة الجواز من صباعي، وقعدت أبصلها شوية.. ست سنين