من أسبوعين، ابني إيلي اللي عنده ست سنين سنته القدامية وقعت

لمحة نيوز

كأب وأم، عشنا مواقف كتير خلتنا فخورين بابننا إيلي، بس رحلة التسوق العادية دي غيرت كل حاجة في حياتنا، واللي حصل بعدها كان مفاجأة ما خطرش على بالنا أبداً، ولسه لحد النهاردة بنفتكره كأنه حصل امبارح.
من أسبوعين، ابني إيلي اللي عنده ست سنين سنته القدامية وقعت. طبعاً في العادة بتبقى دي حاجة تفرح أي طفل، بس إيلي كان مهتم أكتر بالفلوس اللي هتيجي من الحكاية دي؛ فزي ما بيعملوا، "خرافة السنان" (وهي تقليد أجنبي إن الطفل بيحط سنته تحت المخدة بالليل وتيجي خرافة السنان تاخدها وتسيبله فلوس) سابت له أربعة دولار وخمسة وسبعين سنت، وكانوا عبارة عن أربع ورقات دولار مبلطعين وتلاث عملات ربع دولار بتلمع. إيلي حط الفلوس دي في برطمان مربى قديم على الكومودينو جنب سريره، وبقى يعامل البرطمان ده كأنه حساب توفير حقيقي.
وكل ليلة قبل ما ينام، كان بيفضي الفلوس على البطانية ويقعد يعدها باهتمام ويقول بفخر: "أربعة دولار وخمسة وسبعين سنت"، وبعدين يرجعهم تاني البرطمان وينام. أنا وجوزي رايان كنا شايفين المنظر لطيف وكيوت أوي.
يوم السبت اللي فات الصبح، خدت إيلي معايا عشان نشتري طلبات البيت من السوبر ماركت. وأحنا خارجين من البيت، لقيته طالع جري وماسك برطمان المربى في إيده. سألته باستغراب: "إيه ده؟ رايح فين بالبرطمان؟"، رد بكل براءة: "للطوارئ.. الاحتياط واجب، الواحد ما يعلمش الظروف". أنا ضحكت وسكت، وياريتني ما كنت ضحكت ولا عدتها بالموضوع ده.
المكان كان زحمة جداً يومها، دخلنا جوه وجبنا عربية التسوق، وإيلي كان بيساعدني نختار التفاح، وعمل قصة ومناقشة طويلة عن أنواع الكورن فليكس، وقعد خمس دقايق كاملة محتار بين أنواع الزبادي عشان يعرف أنهي أحسن واحد فيهم، يعني باختصار كان طفل طبيعي جداً في سن السدس سنة. ولما وصلنا عند كاشير المحاسبة، كنت خلاص فصلت وعايزة أروح أستريح.
وهناك في الطابور، لاحظنا ست واقفة قدامنا مباشرة. شكلها كان في أواخر الستينات أو أول السبعينات، شعرها رمادي وجسمها نحيف، مكنش فيها حاجة غريبة تخلّي حد يلاحظها، غير الدموع اللي كانت محبوسة في عينيها وبتحاول بكل قوتها تخبيها. الكاشير كان بيمشي على الحاجات اللي جابتها، وهي واقفة قدام جهاز الدفع الإلكتروني. وفجأة الجهاز طلع صوت تنبيه بالرفض، الكاشير جرب تاني وبرضه الجهاز رفض الكارت.
الست بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مكسور وصوتها بيترعش: "أنا آسفة جداً.. كنت فاهمة إن معايا فلوس تكفي". الكاشير بص لها بنظرة تعاطف وقالها ولا يهمك، وبدا يبعد حاجاتها على جنب: رغيف عيش، شوية لبن، وعلبة فراولة صغيرة. الست كان بان عليها انكسارة قلب رهيبة.
قبل ما ألحق أمد إيدي في شنطتي وأطلع محفظتي، إيلي اتحرك بسرعة وطلع لقدام. في الأول فكرته مستغرب إيه اللي بيحصل، لحد ما لقيت برطمان المربى في إيده، وقلبي وقع في رجلي من الخضة. قلت بصوت واطي: "إيلي..."، بس كان هو سبقني ووصل سير الكاشير.
طابور السوبر ماركت كله سكت تماماً في اللحظة دي، الكاشير وقف، والست الكبيرة بصت تحت باستغراب. وإيلي بص لها بكل صدق وبراءة وقال: "معايا أربعة دولار وخمسة وسبعين سنت.. هو ده يكفي تمن الفراولة؟".
لفترة قصيرة مفيش حد نطق بكلمة، الست فضلت تبص له، وبعدين وشها اتغير ونزلت على ركبتها في الأرض. وقالت بصوت مكسور وهي بتحضنه حضن قوي لدرجة إن قلبي وقف: "يا حبيبي.. شكراً ليك.. إنت مش متخيل إنت عملت عشاني إيه بجد". وأخدت علبة الفراولة ومشيت بسرعة وهي بتعيط.
أنا فضلت واقفة مكاني مذهولة، وإيلي كان بيضحك وراضي عن نفسه كأنه عمل حاجة عادية جداً ومش مفروض نتخض عشانه. وطبعاً كنت فاكرة إن القصة خلصت لحد هنا ومش هيبقى فيه تداعيات.
بعدها بتلات أيام، الصبح بدري، فتحت باب الشقة عشان أخد الجوابات والبريد من بره— وهنا اتسمرت مكاني ومقدرتش أحرك رجلي. على مشاية الباب، كانت فيه شنطة حمراء قديمة جداً. جلدها مقشر وعليه آثار الزمن، وشكلها يوحي إن وراها حكايات طويلة. وكان محطوط على إيد الشنطة من فوق ظرف أبيض مكتوب عليه اسم "إيلي" بخط إيد مهزوز وغير منتظم.
ومن جوه الشنطة نفسها.. سمعت صوت غريب. صوت دقات منتظمة وخافتة: "تيك.. تيك.. تيك".
دمي جمد في عروقي، ونفسي اختفى لثواني، وقلبي وقع في بطني من الخوف والفزع. صرخت في إيلي اللي كان جه ورايا: "إيلي، ابعد هناك حالاً!"، وسألني باستغراب ليه، فقلت له يدخل جوه الشقة فوراً.
طلعت موبايلي وكلمت جوزي رايان فوراً، وأول ما رد حكيت له اللي بيحصل، فقال لي بتهكم إن ببالغ وقالي أقرا الجواب الأول وأشوف إيه الحكاية قبل ما نخاف بالشكل ده، وقترحت عليه أكلم شرطة النجدة، فقال لي لو كانت حاجة خطر مكنش كتبوا اسم الواد عليها بخط إيد رقيق بالشكل ده.
خدت نفسي ونزلت على ركبي جنب الشنطة، إيدي كانت بترتعش بشدة وأنا بفتح سوستة الشنطة وبفتح الظرف في نفس اللحظة. صوت التيك توك بقى واضح، بس لما فتحت وشوفت جوه، لقيت ساعة نحاس قديمة أثرية عقاربها بتتحرك بانتظام، وحواليها شوية لعب أطفال وكتب ودبدوب قديم، وكل حاجة كانت مترتبة بعناية شديدة ومحبة واضحة.
طلعت الورقة المكتوبة وقريت أول سطر فيها— وهنا كل قطرة دم هربت من وشي: "ابنك أنقذ حفيد لي يومها". الجواب كان مكتوب فيه من ست اسمها مارجريت، وهي نفس الست اللي قابلناها في السوبر ماركت. وضحت في الجواب إن حفيديها ليو كان عمره سبع سنين وكان مريض جداً وفي أيامه الأخيرة على السرير، وكان كل أمنيته قبل ما يتعب ويدخل في أيامه الأخيرة إنه ياكل الفراولة اللي بيحبها، وهي نزلت تشتريها بس كارت البنك بتاعها عطل، وفلوس إيلي البسيطة هي اللي حققت له الأمنية البسيطة دي قبل ما يتوفى بهدوء في نفس الليلة وهو مبسوط.
مارجريت وضحت إن ليو قبل ما يروح لربنا طلب منها تدي لعبه وساعته وكل حاجاته الغالية للولد الطيب اللي ساعده من غير ما يعرفه، وسابت رقمها لو حبيت أتواصل معاها. اتصلت بيها بعدها وفهمت كل التفاصيل، ومن اليوم ده بقت بينا وبين مارجريت رابطة قوية جداً، وبقينا نزورها وتزورنا، وكل ما بنسمع صوت الساعة النحاس وهي بتدق في أوضة إيلي، بنفتكر دايماً إن أبسط أعمال الخير ممكن تترك أثر ما يموتش أبداً.
 

تم نسخ الرابط