اضرب أقوى! بس بلاش في وشها عشان ما تسيبش علامة!
اضرب أقوى! بس بلاش في وشها عشان ما تسيبش علامة!
حماتي حسناء كانت بتهس بالجملة دي في أذنه بمنتهى الغل والقسوة، وأنا ممرمية على الأرض موجوعة وساكتة.. بس جوايا سر هما الاثنين ما يعرفوهوش فاضل دقائق معدودة، وعالمهم كله هينهار فوق دماغهم وللأبد!
طارق كان سايق بيا العربية للفيلا في سكوت يقطع النفس، إيديه كانت مشدودة على الطارة لدرجة إن عروقه كانت بارزة، بيت حسناء الفخم في التجمع اللي كنت بفتكره أمان، بقى يحسسني إنه قفص متقفل علينا.
دينا... حماتي بدأت الكلام ونبرة الحنية المزيفة اختفت تماماً وحل مكانها صوت جاف وحاد: "وقت اللعب انتهى، الفلوس اللي سحبتيها من الجمعية الخيرية راحت فين؟"
ما رمتش بعيني ولا خفت: "أنا ما لمستش جنيه يا حسناء هانم.. ولو بنتكلم عن الفلوس الناقصة، ياريت توضحي أنتي الملايين اللي راحت لحسابات باسمك القديم راحت فين؟"
الوش الطيب المزيّف اتكسر، وظهر وشها الحقيقي المليان كره صفور.. وأنا جاية أتحرك ناحية الباب، حسناء هجمت وقفت في طريقي وعيونها فيها جنون يخوف.
"امسكها يا طارق!" زعقت له: "مش هتخرج من الأوضة دي إلا لما تجيب الحسابات كلها!"
طارق، الراجل اللي اتجوزته وائتمنته على نفسي، هجم عليا ومسك كتفي بقوة وجبروت.. حاولت ألف وأفلت من إيده، بس كعبي اتعبل في طرف السجادة.
وقعت وقعة جامدة، كوعي اتخبط في الأرض الزان، ودماغي حكت في طرف الترابيزة، زغللة ونار اشتعلت في رأسي، ونزل الدم على حاجبي، بقيت ممددة على الأرض ومش قادرة أخد نفسي.
وفي اللحظة دي بالذات.. حسناء قالت جملتها: "أنت ماسكها بس ليه؟ اضرب أقوى! بس بلاش في وشها عشان ما تسيبش علامة!"
ما صرختش.. وما اترجيتهمش.
الجزء البارد في دماغي صحي وسكت كل الوجع، هما ما يعرفوش إن الموبايل المستخبي في جيبي بيذيع موقعي ولحظة بلحظة لجهة رقابية وأمنية، وما يعرفوش إن الساعة الذكية اللي في إيدي سجلت كل كلمة وكل أمر إجرامي صدر من أمه وبعتت إشارة استغاثة لثلاث أشخاص مهمين جداً!
سنّدت نفسي وقعدت بالراحة، وبصيت في وش حسناء بكل ثبات: "شكراً... دي الكلمة اللي كنت مستنياها النهاردة عشان الصورة تكمل تماماً!"
فضلت قاعدة على الأرض ثواني، مش عشان الوجع... لكن عشان أشوف آخر جزء من الصورة اللي كنت ببنيها من شهور.
طارق كان واقف فوقي، نفسه سريع، وعينيه مليانة خوف مش ندم.
وحسناء كانت لسه واقفة قدامي، بتبص لي بانتصار، كأنها أخيرًا كسرتني.
ما كانوش يعرفوا إن اللحظة دي بالذات هي اللي كانوا بيهربوا منها طول الوقت.
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الدم اللي نازل على وجهي، وقلت: "خلاص يا حسناء هانم... التسجيل اكتمل."
ملامحها اتجمدت. "تسجيل إيه؟"
رفعت إيدي ببطء، ولمست الساعة الذكية اللي في معصمي. "كل كلمة اتقالت هنا اتسجلت... من أول اتهامك ليا بسرقة الفلوس، لحد أمرك لابنك إنه يضربني."
طارق ضحك بسخرية وهو يحاول يبان ثابت: "فاكرة نفسك في فيلم؟ يعني هتعملي إيه بالساعة دي؟"
بصيت له بهدوء: "مش الساعة لوحدها."
طلعت الموبايل من جيبي، كانت شاشته مكسورة من الوقعة، لكنه كان شغال.
ضغطت على زر واحد.
وفجأة خرج صوت حسناء من السماعة: "امسكها يا طارق... ما تسيبهاش تخرج من هنا."
وبعدها صوتها وهي بتقول: "اضرب أقوى... بس بلاش في وشها عشان ما تسيبش علامة."
الصمت نزل على الأوضة. لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عيونهم.
طارق قرب مني بسرعة: "إنتي كنتي بتخططي لإيه يا دينا؟"
ضحكت بهدوء: "أنا ما كنتش بخطط أنتقم... أنا كنت بجمع الحقيقة."
"من شهرين، بدأت أشك في حسناء. مش بس بسبب الفلوس الناقصة. لكن بسبب أوراق الجمعية الخيرية اللي كانت ماسكاها باسمها. كنت أنا المسؤولة المالية عن الجمعية، وكنت أول واحدة لاحظت إن فيه تحويلات غريبة بتطلع من الحسابات. مبالغ صغيرة في البداية... وبعدين مبالغ أكبر. كل مرة كان فيه توقيع. وكل مرة كان التوقيع باسم شخص مختلف. لكن الحساب النهائي كان بيرجع لنفس المكان. حساب قديم باسم حسناء قبل زواجها."
طارق بص لأمه. لأول مرة ما كانش عنده رد.
قال بصوت منخفض: "ماما... إنتي قولتيلي إن الفلوس دي كانت استثمارات."
حسناء بصت له بعصبية: "اسكت! إنت مالك؟ أنا كنت بحاول أحميك!"
ضحكت بمرارة: "لا يا طارق... كانت بتحاول تحمي نفسها."
في اللحظة دي، الباب الخارجي خبط. خبطة واحدة. ثم صوت واضح: "افتحوا الباب... معانا إذن تفتيش."
لون وجه حسناء تغير. طارق رجع خطوة لورا. أما أنا، فكنت عارفة إن اللحظة دي جاية.
دخلت الجهات المختصة ومعاهم المحامي اللي كنت متواصلة معاه من أسابيع.
طارق بص لي بصدمة: "محامي؟ من إمتى؟"
رديت: "من يوم ما اكتشفت إن جوزي بقى واقف في صف اللي بيأذيني."
بدأوا يراجعوا الأجهزة والأوراق الموجودة في الفيلا. وفي خلال ساعات، ظهرت مفاجآت ما حدش كان متوقعها.
لم تكن حسناء فقط متورطة. طارق كان عارف. يمكن ما كانش يعرف كل التفاصيل... لكن كان يعرف إن فيه فلوس بتتحرك بطريقة مش قانونية. وسكت. اختار أمه على مراته. واختار يحمي السر بدل ما يحميني.
بعد أيام، ظهرت الحقيقة كاملة. حسناء كانت تستخدم اسم الجمعية الخيرية لتحويل أموال تحت بند مساعدات ومشروعات وهمية. أما طارق، فكان يساعدها في بعض الإجراءات بحكم عمله ومعرفته بالحسابات.
وكانوا فاكرين إن دينا الهادية اللي بتثق في زوجها مش هتلاحظ. لكنهم نسوا حاجة مهمة... إن الهدوء مش معناه الضعف.
في التحقيق، حاول طارق يقول: "أنا ما كنتش أقصد أأذيها."
بصيت له من بعيد. أول مرة أشوفه غريب عني بالشكل ده.
قلت: "الأذى مش بس الضرب يا طارق... أحيانًا إنك تشوف الظلم وتسكت عليه بيكون أقسى."
خفض عينه. لكن الوقت كان خلص.
بعد شهور، حصل الطلاق رسميًا. الفيلا اللي كانت بالنسبة لي مكان خوف، بقت مجرد عنوان في ملف قديم. رجعت شغلي، ورجعت أساعد في الجمعية بعد ما اتنضفت حساباتها. والأهم... رجعت أثق في نفسي.
في يوم، سألتني واحدة من صديقاتي: "إزاي قدرتي تفضلي ساكتة كل ده؟"
ابتسمت وقلت: "أنا ما كنتش ساكتة... أنا كنت بستنى اللحظة اللي الحقيقة تتكلم فيها."
أما حسناء وطارق... فخسروا أكتر من المال. خسروا صورتهم قدام الناس. خسروا الثقة. وخسروا الوهم اللي عاشوا فيه إن الشخص الهادئ سهل كسره.
لأنهم اكتشفوا متأخرًا... إن الإنسان لما يصبر مش دايمًا بيكون مستسلم. أحيانًا بيكون بيجمع القوة. وبيستنى اللحظة المناسبة فقط.
**(تمت)**