رجع ابني البيت وهو ماسك إيد البنت اللي كانت من كام يوم بس واقفة تهيني وتكسر بخاطري قدام الناس
كنت طول عمري مقتنعة إن حلمي انتهى، وإن الوقت فات. التصميم كان حلم حياتي، لكن الحياة أخدتني في دوامة المسؤوليات؛ الأول جوزي، وبعده ابني، ثم البيت وكل اللي فيه. وكل مرة كنت أقول لنفسي: "لما ألاقي وقت، هحقق حلمي."
لحد ما في يوم، وأنا عندي ستين سنة، حسيت إن لسه عندي فرصة. وصلني إيميل بيأكد إن مشروعي اتأهل لنهائيات مسابقة تصميم كبيرة. وقتها عيطت من الفرحة والخوف في نفس الوقت. المشروع ده ما كانش مجرد تصميم، ده كان جزء من ذكرياتي مع ابني ياسين.
من وهو صغير، كان بيعشق الرسم، وكل شوية يجيب لي رسمة ورد ويقول لي يحتفظي بيها. وفعلاً احتفظت بكل رسوماته، وكنت مؤمنة إن هييجي يوم أستفيد منها. وبعد سنين طويلة، حولت رسومات طفولته لزخارف راقية، ودمجتها مع تصميمات عصرية، وطلع منها أول مشروع حقيقي أقدمه للعالم.
حبيت أفاجئ ياسين. وإحنا بنتعشى، حكيت له إني اتقبلت في المسابقة.
نزل الشوكة من إيده وبص لي مبتسم وقال:
— "يا ماما، ده إنجاز كبير جدًا... بس إنتِ متأكدة؟"
ضحكت وقلت:
— "أكيد متأكدة، ليه بتسأل؟"
قال بهدوء:
— "لأنك طول عمرك بتخافي من التغيير."
كان كلامه صح. أنا فعلًا كنت خايفة... خايفة يكون الوقت فات. لكن لو ما جربتش دلوقتي، عمري ما هعرف أحقق حلمي.
قلت له بحزم:
— "لازم أعملها يا ياسين."
ابتسم وقال:
— "يبقى لازم نشتري لك طقم يليق بالمناسبة."
ضحكت وقلت:
— "يا ابني أنا رايحة مسابقة تصميم، مش عرض أزياء."
رد وهو بيضحك:
— "إنتِ مش هتعرضي مشروعك بس... إنتِ هتعرضي نفسك كمان."
وقبل ما أرفض، فتح الموبايل وبدأ يدور على المحلات.
وفجأة قال:
— "وعلى فكرة... أنا كمان هشتري حاجة."
استغربت وسألته:
— "إيه هي؟"
سكت لحظة وقال:
— "خاتم."
وقعت كباية الشاي من إيدي من المفاجأة.
— "يعني... هتخطب؟"
ابتسم وقال:
— "آه."
قلبي اتملّى فرحة. ابني الصغير بيبدأ أهم خطوة في حياته.
سألني:
— "هتساعديني أختار الخاتم؟"
قلت من غير تردد:
— "طبعًا يا حبيبي."
خرجنا سوا، وكان يوم جميل حسيت فيه إن المستقبل لسه فيه خير وأمل... لكن ما كنتش أعرف إن الفرحة دي هتتقلب لحزن بعد أيام قليلة.
وصل يوم المسابقة.
دخلت القاعة الكبيرة وأنا متوترة، لكن كنت مؤمنة بمشروعي. لاحظت إن أغلب المتسابقين شباب، وكلهم أصغر مني بسنين كتير. بعضهم كان مستغرب وجود ست في سني بينهم، وإحدى البنات بصت لي بابتسامة مليانة سخرية.
بدأت العروض، ولما جه دوري طلعت على المسرح.
قلت بثقة:
— "مشروعي بيجمع بين البساطة الحديثة والطبيعة، ومستوحى من ذكريات شخصية غالية على قلبي."
عرضت التصميمات على الشاشة، وكانت رسومات الورد اللي رسمها ياسين وهو طفل هي أساس المشروع كله.
حسيت إن الناس بدأت تركز معايا، وإن شغلي فعلاً عجبهم.
لكن بعد انتهاء العروض، طلعت مديرة المسابقة.
ابتسمت للجمهور وقالت:
— "شفنا مشاريع رائعة النهارده، لكن النجاح مش موهبة وبس... لازم كمان يناسب متطلبات السوق."
وبعدين بصت ناحيتي.
— "ومعانا أكبر متسابقة مشاركة."
ضحك بعض الحضور بخفة.
كملت كلامها وهي بتبتسم:
— "يا مدام هدى، مشروعك جميل جدًا، لكن مجال التصميم محتاج طاقة شبابية، وأفكار تناسب الجيل الجديد... وأحيانًا الشكل والسن بيكونوا جزء من الصورة."
حسيت بالإهانة قدام كل الناس.
ما حدش انتقد شغلي... انتقدوا سني.
ولما أعلنوا اسم الفائز، كنت عارفة إنه مش هيكون اسمي.
نزلت من على المسرح وأنا محافظة على هدوئي، لكن جوايا كان فيه وجع كبير.
تاني يوم حاولت أنسى اللي حصل، لكن ما قدرتش.
وفي المساء، كان ياسين جاي يتعشى معايا ويعرفني على خطيبته.
رحت فتحت الباب...
واتجمدت مكاني.
كانت هي.
نفس البنت اللي أهانتني في المسابقة.
ابتسم ياسين وقال:
— "يا ماما... دي فريدة، خطيبتي."
أما هي، فابتسمت ومدت إيدها وكأنها أول مرة تشوفني.
— "أخيرًا اتشرفت بحضرتك يا مدام هدى."
ابتسمت ورديت بهدوء:
— "أهلًا بيكي."
كنت متأكدة إنها عارفة إني مش هفضحها قدام ابني.
وأثناء العشاء، سألني ياسين:
— "ها يا ماما، المسابقة عملتِ فيها إيه؟"
بصيت لفريدة وهي مستنية ردي، وقلت:
— "لسه النتيجة ما ظهرتش... وإن شاء الله خير."
ولما دخل ياسين المطبخ، قربت مني فريدة وهمست:
— "هتاخدي الشغلانة... طول ما إنتِ ساكتة عن اللي حصل."
بصيت لها بهدوء وقلت:
— "ممكن أسكت... علشان خاطر ابني."
ابتسمت براحة.
فقلت:
— "بس عندي شرط."
قالت:
— "إيه هو؟"
قلت:
— "من النهارده تعامليني باحترام."
هزت رأسها وقالت:
— "أكيد يا طنط."
عدى اليوم بهدوء، لكنها كانت بتمثل دور البنت المهذبة.
ولما خرجوا، طلعت أوضتي...
واتصدمت.
كل اسكتشات المشروع، والرسومات، والملاحظات... اختفوا.
وقتها فهمت إن اللعبة لسه بدأت.
بعد أسابيع، اتفاجأت إن فريدة أعلنت عن مجموعة تصميمات جديدة... وكانت هي نفس تصميماتي، بنفس الأفكار والتفاصيل.
الناس كلها كانت بتشكر فيها، وبتقول إنها عبقرية.
كنت أقدر أفضحها من أول يوم.
لكن استنيت.
لأن السارق، مهما كان ذكي، لازم يغلط.
وجاء يوم حفلة خطوبتهم.
كانت القاعة مليانة معازيم، وفريدة واقفة وسط الناس بكل غرور.
قالت وهي رافعة الكأس:
— "الحمد لله المشروع نجح نجاح كبير، وبدأنا نشتغل على مشاريع أكبر."
ابتسم ياسين وقال:
— "احكي لنا بقى... إيه اللي ألهمك الفكرة دي؟"
ردت بثقة:
— "مزجت بين الطبيعة والذكريات."
وبعدين طلعت التصميمات على موبايلها.
أول ما ياسين شافها، اتغير وشه.
قال وهو بيبص لي:
— "يا ماما... مش دي رسوماتي وأنا صغير؟"
هزيت راسي بهدوء.
فبص لفريدة وقال:
— "إيه اللي بيحصل؟"
أخدت نفس عميق وقلت:
— "دي نفس البنت اللي أهانتني في المسابقة... وبعدها دخلت بيتي خطيبة ليك... وسرقت مشروعي."
اتصدم ياسين.
بص لفريدة وقال:
— "الكلام ده صحيح؟"
حاولت تبرر وقالت:
— "أنا كنت هقول لها بعدين..."
قاطعتها وقلت:
— "قبل ولا بعد ما سرقتِ شغلي من بيتي؟"
سكتت.
لف ياسين ناحيتها وقال بصوت حاسم:
— "انتهى كل شيء... مفيش جواز."
خرجت فريدة من الحفلة وسط ذهول الحاضرين.
وبعد ما الناس مشيت، بص لي ياسين وقال بحزن:
— "ليه ما قلتيليش من الأول؟"
ابتسمت وقلت:
— "لأني كنت عايزاك تشوف الحقيقة بنفسك."
ابتسم ابتسامة صغيرة، خد قطعة من تورتة الخطوبة، ومدها لي وقال:
— "تعالي يا ماما... ناكلها في الجنينة زي زمان."
خرجنا وقعدنا سوا تحت السما.
يمكن خسرت مسابقة...
لكن كسبت كرامتي.
والأهم من كل ده...
إني ما خسرتش ابني.