أول حب في حياتي تواصل معايا بعد 55 سنة وطلب مني أقابله في مدرستنا القديمة.. ولما رحت، لقيت طفل صغير شايل شنطة جلد قديمة مستنيني
تسمرت قدما "مصطفى" في مكانه، وقلبه كان يدق كأنه ساعة حائط عملاقة فقدت توازنها. الصبي الصغير الذي يقف أمامه كان صورة طبق الأصل من "مصطفى" وهو في سن التاسعة عشرة، نفس نظرة العيون المليئة بالاستفهام، ونفس التكوين الجسدي النحيل.
مد الطفل يده بالشنطة الجلدية القديمة، وكانت رائحة "الجلد والكتب القديمة" تنبعث منها، وهي الرائحة التي ظلت عالقة في ذاكرة مصطفى لنصف قرن. لم يستطع مصطفى أن ينطق بكلمة، أخذ الشنطة من يد الصبي بيديْن مرتجفتين، بينما كان الطفل يتراجع خطوة إلى الخلف، والابتسامة الهادئة لا تفارق وجهه.
سأل مصطفى بصوت مبحوح: "مين اللي بعتك يا ابني؟.. سامية فين؟".
نظر الطفل ناحية مبنى المدرسة القديم، وأشار بيده الصغيرة إلى "قبو" المدرسة، وهو المكان الذي كانا يختبئان فيه هرباً من رقابة المدرسين. قال الطفل بصوت رزين لا يشبه أصوات الأطفال: "هي مستنياك هناك.. قالت لي إنك هتعرف الطريق لوحدك من غير ما حد يوريك".
قبل أن يستوعب مصطفى ما قيل، ركض الطفل نحو بوابة المدرسة الجانبية واختفى كأنه طيف تبخر في هواء الغروب. لم يتردد مصطفى، نسي آلام ركبتيه، ونسي عمره الذي تجاوز السبعين، وانطلق بخطوات متسارعة نحو القبو الموحش.
كان القبو مظلماً، لا يضيئه إلا خيط رفيع من شمس الغروب يتسلل من نافذة علوية صغيرة. في زاوية القبو، كانت تجلس امرأة على كرسي خشبي قديم، ترتدي وشاحاً بسيطاً، وظهرها يستند إلى جدار المدرسة الصامد.
توقف مصطفى، كاد أن يسقط من فرط التأثر. كانت "سامية". صحيح أن الزمن قد خطّ على وجهها خطوطاً كثيرة، وشعرها اكتسى باللون الأبيض كالثلج، لكنها ظلت هي.. بنفس تقاسيم الوجه، ونفس الهدوء الذي كان يملأ حياته.
التفتت سامية نحوه، وبمجرد أن التقت عيناهما، تلاشت الخمسة والخمسون عاماً في لمح البصر. لم يكن هناك داعٍ للكلمات، فكل ما ضاع في غيابات الجبّ، وكل ما كتمه الصدر من وجع، ذاب في تلك اللحظة.
وقفت سامية بصعوبة، واتجهت نحوه ببطء، ودموعها تنهمر بصمت. قالت بصوت واهن يحمل دفء السنين: "تأخرت عليك كتير يا مصطفى.. بس كنت لازم أطمن إن الشنطة وصلت، وإنك لسه فاكر المكان اللي روحنا فيه لأول مرة".
رد مصطفى وهو يحتضنها بقوة، كأنه يخشى أن تتبخر مرة أخرى: "لو كان فاضل في عمري دقيقة واحدة، كانت هتكون ليكي. ليه يا سامية؟ ليه كل السنين دي؟".
بدأت سامية تحكي له الحقيقة، بينما كان صدى ذكرياتهما يملأ المكان. لم تكن مجرد قصة سفر قسري، بل كانت رحلة معاناة طويلة في بلد غريب، وزواج لم يثمر إلا عن الوحدة، ومحاولات مستميتة للعودة دون أن يكتشف أحد سرها. أخبرته أنها عادت للقاهرة منذ سنوات، لكنها لم تكن تملك الشجاعة لتواجهه وهي في هذه الحال، إلا عندما رأت حفيدها – الذي يشبهه تماماً – فأدركت أن الزمن حان لتعيد الأمانة لأصحابها، وتختم رحلة البحث عن الذات.
خرج الاثنان من المدرسة معاً، يداً بيد، تماماً كما كانا يفعلون في عام 1971. الشوارع التي كانت تبدو لمصطفى كئيبة وحزينة، صارت فجأة تضج بالحياة. لم يجد مصطفى "حبيبته" فحسب، بل وجد "نفسه" التي ضاعت في تروس الساعات.
في تلك الليلة، وفي بيته المتواضع بالدرب الأحمر، لم تكن هناك سوى رائحة الشاي بالنعناع، وحكايات طويلة لم تنتهِ، وصوت ضحكات عادت لتملأ البيت بعد صمت طويل. لقد استرد الساعاتي أعظم أمانة في حياته: استرد "وقته" الذي عاد يتدفق من جديد بوجود سامية، وكأن عقارب الساعة لم تتوقف أبداً، بل كانت تنتظر فقط هذه اللحظة، لتبدأ دقاتها من جديد في قلبين لم يعرفا معنى "النسيان".