يا تعتذري لأمي يا أما هسيب البيت"، الجملة دي خرجت من طارق بنبرة حادة

لمحة نيوز

"يا تعتذري لأمي يا أما هسيب البيت"، الجملة دي خرجت من طارق بنبرة حادة خلت المطبخ كله يسكت، سامية هانم كانت واقفة بتبصلي بانتصار، وكأنها أخيراً لقت الفرصة اللي كانت بتدور عليها عشان تكسرني، نادية كانت واقفة في نص المطبخ، إيديها لسه فيها ريحة صابون المواعين، بتبص لطارق اللي واقف ورا أمه زي الطفل الصغير، 18 سنة جواز اتبخروا في اللحظة دي، نادية مسحت إيديها في الفوطة ببطء، وابتسمت ابتسامة باردة مكنش فيها أي حزن، وقالت له بصوت هادي وموزون: "أنا مش هعتذر عن حاجة مغللطتهاش، وأنا اللي ماشية يا طارق، مش إنت"، الكلمة وقعت على طارق كأنها صاعقة، مكنش متخيل إن "نادية" الهادية المسالمة ممكن تاخد قرار زي ده، سامية هانم اتغيرت ملامح وشها من الانتصار للصدمة، حاولت تتدخل وتقول كلام مسموم تاني، بس نادية قاطعتها بصوت حازم: "إنتي خلصتي دورك في البيت ده يا طفلة، دلوقتي دوري أنا"، دخلت نادية أوضة النوم، وفتحت شنطة السفر اللي كانت مجهزة جواها طوارئ السنين اللي فاتت، كل قرش كانت بتحوشه من وراهم، كل ورقة قانونية تخص أملاكها، وحتى العقد اللي كانت كاتباه بخصوص البيت اللي هما عايشين فيه، اللي بالمناسبة كان باسمها هي مش باسم طارق.
طارق جري وراها وبدأ يزعق ويحاول يهددها، بس نادية كانت في عالم تاني، عالم قررت فيه إن الكرامة أغلى من أي بيت أو أي راجل مش بيشوف قيمتها، وقفت في الصالة قدامهم هما الاتنين، وطلعت ورقة من شنطتها ورمتها على الترابيزة، "ده إنذار إخلاء للبيت، البيت ده ملكي، وأنا قررت أبيعه وأبدأ حياة جديدة بعيد عنكم"، سامية هانم وقعت على الكنبة وهي بتشهق، وطارق بصلها بذهول، مكنش يعرف إن نادية كانت ذكية كفاية عشان تأمن مستقبلها، نادية خرجت من البيت، وقفت في الشارع، خدت نفس عميق، أول نفس تحس فيه بالحرية من 18 سنة، ركبت عربيتها اللي كانت هي كمان باسمها، وسابت وراها كل الوجع، كل الانتقاد، وكل نظرة دونية كانت بتشوفها، الأيام اللي بعد كده كانت صعبة على طارق وأمه، البيت اللي كان دايماً نظيف ومنظم بقا كومة زبالة، طارق مكنش بيعرف يعمل أبسط الأشياء لنفسه، وأمه بدأت تلومه إنه كان السبب في طردها من الجنة اللي كانت بتتحكم فيها، طارق بدأ يحس بقيمة نادية لما لقى نفسه تايه في دوامة طلبات أمه المستمرة وتكاسله هو، وبدأ يجيله تليفونات من نادية عن طريق محاميها، بتطلب الطلاق الرسمي وتصفية كل الأموال المشتركة، طارق حاول يكلمها، يترجاها ترجع، بس كان الوقت فات، نادية كانت بدأت مشروعها الخاص اللي كانت بتحلم بيه سنين، مطعم صغير بيقدم أكل بيتي بأعلى جودة، نادية اتحولت لامرأة ناجحة، سيدة أعمال بيشار ليها بالبنان، والكل بقى يتمنى يشتغل عندها، طارق في الآخر خسر كل حاجة، أمه سابته ورجعت بيتها، وهو فضل لوحده في شقة فاضية، بيفكر في اليوم اللي نادية طردت فيه "شوربة الخضار" في القاعدة، وفهم إنها مكنتش طاردة شوربة، دي كانت بتطرد ذل سنين.
نادية بعد سنة من طلاقها، كانت قاعدة في مطعمها الجديد، بتشوف الزبائن وهم بيستمتعوا بالأكل، وبتحس برضا داخلي ملوش وصف، طارق جه المطعم في يوم، واقف من بعيد، بيبص عليها وهي بتضحك، بيبص على إنجازها، وبص في عينيها لقى فيه لمعة مكنتش موجودة وهي معاه، نادية شافته، بس مديتلهوش أي اهتمام، كملت شغلها وكأنها مش موجودة، طارق مشي وهو حاسس بكسرة قلب، بس الكسرة دي كانت بداية وعي جديد، بدأ يغير حياته، بدأ يشتغل على نفسه، يغير أسلوبه، وفهم إن الحب ملوش قيمة لو مكنش فيه احترام، والقصة دي فضلت محفورة في ذاكرتنا كنموذج للمرأة اللي بتعرف امتى تنسحب، وامتى تبدأ من جديد، نادية بقت أيقونة لكل ست بتعاني في صمت، وبقيت بتقدم نصايح ودعم لكل اللي بيحسوا إنهم محبوسين في علاقة سامة، والدرس الأهم اللي اتعلمناه من نادية، هو إن كرامتنا فوق كل شيء، وإن البيت بيبقى بيت بالحب والتقدير مش بس بالجدران، سامية هانم فضلت لوحدها، بتشكي للناس عن "مرات ابنها اللي مكنش فيها عيب غير إنها استكبرت"، بس الحقيقة الكل كان عارف إنها هي اللي خربت بيتها بإيدها، والبيت اللي كان يوم فيه خناقة على شوربة، بقى فيه نجاح وقوة وست قدرت تبني نفسها من الرماد، ونادية لسه بتكبر وبتنجح، وكل يوم بتثبت لنفسها إنها تستاهل الأفضل، والقصة اللي بدأت بـ "أكل كلاب"، انتهت بواحد من أحسن المطاعم في المدينة، والشوربة اللي اترمت في القاعدة، كانت هي الشرارة اللي ولعت الطريق لنادية عشان توصل للقمة، والدرس ده هنفضل ندرسه للأجيال، إنك متقبلش بأقل مما تستحق، وإنك دايماً تقدر تبدأ من جديد، حتى لو كان كل اللي حواليك فاكرين إنك انتهيت، نادية لسه بتنور حياتها وحياة كل اللي حواليها، بابتسامتها اللي بقت عنوان للأمل والقوة، والبيت اللي كانت نادية فيه مجرد "خادمة"، بقى دلوقتي "قلعة" لصاحبتها، والقصة دي فضلت محفورة في ذاكرتنا، بتفكرنا دايماً إن النهاية السعيدة إحنا اللي بنكتبها، وإن القرار الصح ممكن يغير مجرى حياتنا كله، زي ما غير حياة نادية، اللي دلوقتي عايشة بسلام وفخر، بتشوف حياتها وهي بتزهر من جديد، بعيد عن أي طاقة سلبية أو نقد مؤذي، ودروس الحياة دي أغلى من أي كنوز، نادية لسه بتمارس حياتها، وبتحقق نجاح ورا التاني، وكل ما تفتكر اليوم ده، بتبتسم وتقول "شكراً يا حماتي، لولاكي مكنتش هعرف أنا مين".
 

تم نسخ الرابط