شوك تحت مرتبة ابني

لمحة نيوز

شوك تحت مرتبة ابني
كانت الشكوك تنهش عقلي كالنمل الأبيض الذي ينخر في أخشاب جدران قديمة. بدأت القصة بشيء تافه للغاية، شيء لا يمكن لأحد أن يتخيل أنه سيكون المفتاح لفتح أبواب جحيم أسري لم أكن مهيأة له أبداً. أنا نور، زوجة وأم لربيع طفولتي الوحيد، طفلي ياسين الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره، وزوجة لعادل، مهندس الديكور والمقاولات الذي كان يقضي أغلب يومه خارج المنزل يركض وراء مشاريعه البعيدة وتأسيس حياة كريمة لنا، أو هكذا كنت أظن.
بدأ الأمر برمته قبل نحو شهر ونصف تقريباً، حين بدأت ألاحظ اختفاءً تدريجياً وغريباً للشوك من درج المطبخ. في البداية، كنت أقول لنفسي إنها ربما ضاعت في سلة المهملات بالخطأ أثناء تنظيف بقايا الطعام، أو أنني نسيتها في مكان ما بالمنزل. ولكن عندما سحبت درج الملاعق والشوك ذات يوم لأحضر شوكة لطهي وجبة الغداء، صدمت بأن الدرج الذي كان يعج بأطقم الفضة الفاخرة التي تزوجت بها، لم يعد يحتوي سوى على شوكتين أو ثلاث شوكات يتيمة مخدوشة في القاع. كان المشهد مستفزاً لربة منزل مثلي تقضي جل وقتها في ترتيب التفاصيل والعناية بالبيت. قلبت الشقة رأساً على عقب؛ فتشت في كل زاوية، ولم أجد أثراً لشوك واحدة. وفي النهاية، ووسط حالة من الإحباط والغيظ الصامت، استسلمت للأمر وقررت أن أشتري طقماً جديداً، معتقدة أن المشكلة قد حُلّت. ولكن عقلي لم يهدأ، فالتساؤل عن مكان اختفاء الشوك القديمة ظل يلح عليّ.
كنت شبه متأكدة أن ياسين هو الفاعل. الأطفال في هذا السن تستهويهم الألعاب الغريبة، ولكن كلما حاولت استدراجه لأسأله، كان جسده الصغير يتصلب كلوح خشب، وتتسع حدقتا عينيه بخوف مبهم، ويطبق شفتيه بقوة غريبة ويهز رأسه بالنفي القاطع دون أن ينطق بكلمة واحدة. أما عادل، فكان خارج الصورة تماماً؛ يغادر المنزل في السابعة صباحاً ولا يعود إلا بعد العاشرة ليلاً، منهكاً، يكتفي بطبع قبلة سريعة على جبين ياسين ثم يغرق في النوم. كيف لزوج متعب مثل عادل أن يلتفت لشوك المطبخ؟ ومرت أسبوعان والتوتر يتصاعد، حتى جاءت تلك الليلة المشهومة التي اضطر فيها عادل للسفر إلى أسيوط لمعاينة موقع بناء.
كان المنزل هادئاً بشكل موحش. توليت مهمة تنويم ياسين. جلست بجانبه على السرير لأقرأ له قصته المعتادة، وبمجرد أن أرحت ثقلي على السرير، شعرت ببروزات غريبة صلبة تضغط من أسفل المرتبة. بفضول وقلق، طلبت من ياسين أن يقف، ورفعت حافة المرتبة الثقيلة، ليتجمد الدم في عروقي. هناك، مصفوفة بدقة هندسية مرعبة، كانت ترقد كل شوك المطبخ المفقودة، القديمة والجديدة، مشبكة ببعضها البعض كدرع حديدي مدبب يغطي مساحة كبيرة تحت جسد طفلي. التفتت إلى ياسين وسألته بدموع وذعر: "يا حبيبي.. إيه اللي مخليك مخبي كل الشوك ده تحت السرير؟ وليه؟". انفجر الصغير في بكاء مرير، وارتجف جسده وهو يمسك بيدي متوسلاً: "لو سمحتي يا ماما... ما تشيليهمش... أرجوكي سيبيهم". عندما حاولت تهدئته، مسح دموعه وقال بصوت مبحوح: "بابا قالّي ما أقولش لحد إنهم مستخبيين هنا... قال لي ده سر بيني وبينه".
شعرت ببرودة شديدة تسري في عمودي الفقري. سحبت هاتفي واتصلت بعادل فوراً. لم أمنحه فرصة للمناورة، سألته بنبرة قاطعة: "تحب تفسرلي إيه حكاية الشوك اللي مستخبي تحت مرتبة ابننا؟". ساد صمت طويل، قبل أن يقول بنبرة منكسرة وخائفة: "نور... أرجوكي اهدئي... أنا هقولك الحقيقة كلها اللي كنت مخبيها عنك طول السنين اللي فاتت".
بدأ عادل يتحدث وكأنه يزيح جبلاً من على كاهله: "قبل زواجنا بسنوات، تعرضت لحادث سرقة واعتداء مرعب؛ اقتحم لصوص مسلحون بيتي، وقيدوني، وعذبوني لساعات باستخدام أدوات حادة من بينها شوك المطبخ الساخنة. تلك الليلة تركت في نفسي ندبة نفسية، وشخصني الأطباء باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، ومعه نوع نادر من الوسواس القهري المرتبط بالخوف من الاقتحام الليلي".
وتابع عادل: "مع ولادة ياسين، بدأت الهلاوس تهاجمني. أصبحت لا أنام؛ أتخيل شخصاً يقتحم غرفته ويؤذيه بنفس الطريقة. قرأت في منتدى طبي عن أسلوب وقائي غريب يتبعه بعض المصابين بالفوبيا لإقناع عقلهم الباطن بالأمان، وهو وضع قطع معدنية حادة تحت المرتبة كحاجز حماية رمزي. استغليت براءة ياسين وأقنعته أنها دروع سحرية تحميه، وطلبت منه ألا يخبرك. كنت أدخل غرفته كل ليلة لأتأكد من وجود الدروع لكي أستطيع النوم. أنا آسف يا نور... أنا مريض نفسي، وكنت خائفاً من نظرتك لي كزوج ضعيف".
قلت له بصوت تداخلت فيه الدموع بالحب والمساندة: "عادل... المرض ليس عيباً. ولكنك أخطأت عندما أقحمت ياسين في مخاوفك. عليك أن تعود فوراً، وسنتوجه إلى طبيب نفسي متخصص لنبدأ رحلة العلاج الحقيقية معاً. لن أتركك يا عادل، ولكن الشوك يجب أن تخرج الليلة".
بعد المكالمة، أزلت الشوك ووضعتها في صندوق، وضممت طفلي إلى صدري، مدركة أن الطريق للتعافي طويل. في صباح اليوم التالي، عاد عادل من سفره، كان وجهه شاحباً وهالات سوداء تحت عينيه تلخص سنوات من الكوابيس. لم يكن في قلبي مكان للعتاب، طوقته وضممته بقوة، وبكينا معاً. ذهبنا لياسين، وأخبره والده بصدق: "ياسين يا بطل.. السحر ده خلص بنجاح. الوحوش مشيت للأبد، بابا وماما هما الدرع الحقيقي بتاعك".
بدأنا رحلة علاجية مكثفة؛ جلسات نفسية لعادل لمواجهة صدمته، وجلسات تأهيل لياسين للتخلص من أي ترسبات خوف. ومع مرور الأشهر، بدأت ملامح عادل تتغير، عادت الحيوية لوجهه، وتلاشت نوبات الهلع.
بعد مرور عام كامل، أقف في مطبخي، أسحب درج الملاعق والشوك، وأرى لمعانها المرتب في مكانها الطبيعي. لم تعد تثير في نفسي الريبة، بل أصبحت رمزاً لانتصارنا المشترك على الخوف والمرض. علمتني التجربة أن البيوت لا تحميها الدروع الحديدية، بل يحميها الصدق والمواجهة الشجاعة للضعف البشري. انتهى عهد الخوف، لنكتشف أن أعظم درع واقٍ لأطفالنا هو أن نمنحهم بيتاً خالياً من الأسرار المظلمة، وبيئة تفيض بالأمان النفسي والسلام.
 

تم نسخ الرابط