مرتب زوجي حكايات زهرة
أنا سناء، أعمل في وظيفة محترمة ومرتبي الحمد لله جيد. زواجي كان تقليديًا جدًا، وحماتي هي من خطبتني لابنها حازم. من أول شهر زواج بدأت النوايا تظهر، فحماتي لم تكن تشيل عينيها عن مرتب حازم؛ تارة تخترع حوارًا بأن غسالتها تعطلت وتريد أحدث موديل، وتارة أخرى أخت حازم تحتاج طقم ألومنيوم جديد، أو هي تريد الذهاب للعمرة وتحتاج مالًا للهدايا. كانت تطلب الطلب، وحين يلمح لها حازم أن المصاريف ستنقص عليه، تقول له ببرود: "يا بني هذه أموالك أنت، ومرتب زوجتك يكفيكم ويفيض، هي تقبض الكثير ولن تبخل على بيتها وعيالها!".
وحازم لم يكن يرفض لها طلبًا، وأنا كنت أساير المركب، أقول معلش هذه أمه والبر يبدأ من هنا. كنت آخذ مرتبي وأصرف منه على البيت، وأشتري ملابس لأولادنا الثلاثة ومصاريف مدارسهم التي تكسر الظهر، وكنت أؤجل أي طلب شخصي لي وأقول: "العيال أولى".
حتى جاء اليوم الذي لن أنساه. كان أول الشهر، وحازم قبض مرتبه ووضعه في محفظته. دخلت حماتي الشقة من غير ميعاد، وقالت لحازم بنبرة آمرة: "أنا محتاجة مرتبك هذا الشهر كله!". حازم صُدم ونظر لي، فقلت لها: "مرتبه كله كيف؟ وكيف سنعيش هذا الشهر؟". ردت عليّ: "معلش، عليّ دين كبير ويجب سداده، وأنتِ يا سناء فلوسك تكفيكم هذا الشهر وزيادة!".
رفضتُ بشدة وقلت لها: "لا يا حماتي، مرتب حازم لن تأخذيه كله، لدينا ثلاثة أولاد والأسعار غالية. لو عليكِ دين، أخبرينا لمن وبكم، ونحن نقسطه مع صاحبه، لا أن نعطيكِ كل المال ونقعد نشحت!".
انقلبت الدنيا، بدأت تصرخ وتزعم أنني أمنّ عليها وأني "حرباية" وأنها زوجتني لابنها فقط من أجل وظيفتي. الكلام نزل عليّ كالنار. نظرت لحازم منتظرة أن يدافع عن كرامتي، لكن الصدمة كانت منه؛ فقد زجرني وقال: "خلاص يا أمي، خذي المرتب كله، ونحن سنتصرف". أخذت المال ورحلت وهي في قمة الانتصار. دخلت وراء حازم الغرفة وقلت له: "أنت كيف تفعل ذلك؟ أنت تعلم أن مرتبي وحدي لا يكفي!". رد ببرود: "دي أمي، واللي تحتاجه أهم مني ومنك، واعتبري نفسك بنك".
في تلك اللحظة، صُدمت، مخنوقة، لكنني عزمت أمري.
في اليوم التالي، استيقظ حازم وأمه على مفاجأة من العيار الثقيل. استيقظتُ مبكرًا، وبعد أن ذهب حازم ليعد نفسه، التفتّ له حين طلب مني مالًا للمصاريف، وقلت له بكل برود: "ليس معي ولا مليم، لقد حولتُ المرتب كله لأمي صباحًا لأنها كانت محتاجة!".
جن جنون حازم، صرخ: "حولته لأمك؟! كيف وأنتِ تعلمين أننا لا نملك شيئًا؟". قلت له ببرود قاتل: "أنتَ قلت لي بالأمس: (دي أمي واللي تحتاجه أهم مني ومنك). أنا تعلمتُ منك، وأمي أغلى شيء عندي، والآن أمي طلبت المال فأعطيتها!".
حاول حازم أن يجادل بأن أمي ليست "مزنوقة" كأمه، فقلت له: "الدين هو الدين، ومحدش بيفتش ورا الأمهات! وأنا كنت أساعد بالود، لكن حين ذهب الود، كل واحد يشيل شيلته".
وعندما سألني بانهيار: "والنهاردة؟ العيال هتروح المدرسة إزاي؟"، ابتسمت وقلت له: "تتصرف يا حازم، زي ما قولت لي امبارح بالظبط إحنا هنبقى نتصرف. وريني شطارتك، روح لست الحبايب التي أخذت مرتبك كله وخذ منها". ثم ألقيت عليه القنبلة الأخيرة: "وعلى فكرة، أنا قررتُ لن أعمل ثانية، سأقدم استقالتي، وسأقعد في البيت أربي عيالي، وأنت كراجل البيت تتصرف وتصرف علينا".
خرج حازم من الشقة يجر أذيال الخيبة، لم يجد حلًا إلا الذهاب لأمه. وصل إليها وطلب منها المال الذي أخذه منها بالأمس، وأخبرها أن سناء استقالت وحولت مرتبها لأمها وأن بيته سيخرب. الأم حاولت أن ترفض، لكن حازم شد المحفظة منها، وأخذ ماله، وقال لها بحزم: "ده بيتي وعيالي، ومش هسيبهم يشحتوا".
عاد حازم للبيت، وجدني جالسة بهدوء. وضع المال على الطاولة، وجلس أمامي بمنتهى الانكسار، وقال بصوت خجلان: "أنا فهمت يا سناء، فهمت يعني إيه تشيلي معايا، وعرفت إنك كنتِ بتعملي كده بالود، مش فرض. أنا آسف على كل كلمة قولتها".
اعتذر لي وطلب مني أن أرجع لعملي، ووعدني أنه من الشهر القادم لن يأخذ مني مليمًا واحدًا، وأن مرتبه هو المسؤول عن البيت، وأن أمه سيبرها بحدود المعقول دون أن يظلم بيته.
ابتسمتُ وقلت له: "أنا مكنتش عايزة أخرب بيتي، أنا بس كنت عايزاك تحس بيا. وطالما عرفت قيمتي، أنا هرجع شغلي وهساعدك لأننا مركب واحدة".
ومرت الأيام، رجعتُ لعملي، وحازم أصبح الرجل المسؤول الذي يحسب لكل قرش حسابه، والحمات التزمت حدودها بعد أن عرفت أن لهذا البيت زوجة ذكية وربًا يحميه.