زوجي قضى 17 سنة يكرر أمام الجميع أنه كان سيتزوج صديقتي المقرّبة لو سنحت له الفرصة
زوجي قضى 17 سنة يكرر أمام الجميع أنه كان سيتزوج صديقتي المقرّبة لو سنحت له الفرصة وفي اليوم الذي سألتني فيه ابنتي إن كنتُ أمًّا سيئة، توقفتُ أخيرًا عن الضحك.
قالها محمود مرة أخرى وسط العزومة، وهو يمسك بزجاجة مشروب غازي، بينما كانت عائلته تجلس حول السفرة الممتلئة بالمحشي والفراخ والسلطات.
والله يا جماعة لو سارة كانت وافقت عليّ زمان، كنت سيبت مراتي واتجوزتها فورًا.
خرجت تلك الضحكات المتوترة التي تشبه الإحراج أكثر من المزاح. كنت واقفة بجانب تورتة عيد ميلادي. شمعة الرقم ٢٨ كانت ما تزال تُخرج خيطًا رفيعًا من الدخان. ابتسمت فقط لأنني لم أعرف ماذا أفعل غير ذلك. أما سارة، صديقتي منذ أيام المدرسة، فتغيّر وجهها فورًا.
محمود عيب الكلام ده.
لكنه ضحك بصوت أعلى.
يا جماعة إيه بس؟ بهزر.
تلك الكلمة أصبحت درعه الدائم. مزحة عندما يقولها في رمضان أثناء العزومات. مزحة عندما يكررها في تجمعات العائلة. مزحة عندما يضع يده حول خصر سارة بدون قصد. مزحة عندما وقف في سبوع ابنتنا ليان، ورفع الكوب قائلًا يمكن في حياة تانية تبقى سارة مراتي أصل دي حساسة زيادة عن اللزوم.
ابتلعت دموعي مع لقمة باردة من الرقاق. وسارة دائمًا كانت تدافع عني احترم مراتك يا محمود. فيضحك ويقول يا ستي إنتِ الحب المستحيل أصلًا. فتبتعد هي. وأبقى أنا. لأن الإنسان يتعود على التحمّل عندما يسمع طوال الوقت كل الرجالة كده.
لكن ليان كبرت. وبدأت تفهم. في عيد ميلادها السابع، قبّل محمود رأسها أمام الجميع وقال البنت طلعت حلوة الحمد لله بس لو سارة كانت أمها، كانت هتطلع أشيك وأهدى كمان. ليان لم تبكِ وقتها. انتظرت حتى غادر الجميع. دخلت غرفتي بفستانها الوردي المجعد، وعيناها حمراوان، وكيس الحلوى الصغير مضغوط بين يديها. ثم سألتني بصوت خافت ماما بابا مش بيحبك عشان طنط سارة كانت هتبقى أم أحسن منك؟.
شعرت بشيء ينكسر داخلي. لم يكن غضبًا. كان تعبًا. تعبًا قديمًا، ثقيلًا، يلتصق بالعظام. في تلك الليلة، بينما كان محمود ينام ويشخر كأن شيئًا لم يحدث، جلست في المطبخ والهاتف بين يدي. بدأت أرى صور سنوات كاملة. أعياد ميلاد. عزومات. سبوع. تجمعات عائلية. كل الصور كانت متشابهة هو يطلق مزاحه. أنا أبتسم بلا رغبة. سارة محرجة. وليان تنظر إليّ كأنها تنتظر مني أن أدافع عن نفسي يومًا.
ثم ظهرت رسالة من أحمد. أحمد كان صديق محمود منذ الجامعة. هادئًا دائمًا. محترمًا دائمًا. ولم يتجاوز حدوده معي يومًا. كتب فقط ليان كويسة؟ شكلها كانت زعلانة النهارده. أجبته لسه لا بس هتبقى كويسة.
لا أعرف ماذا كان تعبير وجهه عندما قرأ الرسالة. لكنني أعرف جيدًا ملامحي أنا. ملامح امرأة فهمت أخيرًا أن الصمت أيضًا يربّي. وأنا لم أعد أريد أن تتعلم ابنتي ابتلاع الإهانة. لذلك انتظرت. لم أصرخ. لم أبكِ. ولم أواجهه تلك الليلة. بدأت بهدوء. في العزومة التالية، عندما سخر محمود من طريقة قيادتي وقال إنني بسوق زي الستات الخايفة، نظرت إلى أحمد وقلت الغريب إن أحمد عمره ما احتاج يقلل من حد علشان يحس إنه راجل.
ساد الصمت فوق السفرة. ضحك محمود، لكن ضحكته لم تكن كما اعتدت إيه ده؟ أحمد بقى البطل الجديد؟. قلت بهدوء لا بس واضح الفرق بين الرجل المحترم والرجل الذي يظن الإهانة خفة دم. والدته أخفت ابتسامة صغيرة وهي تنظر إلى طبقها. أما سارة فضغطت على ركبتي تحت الطاولة. محمود لم يرد. لكن تلك الليلة رمى مفاتيحه فوق الكومود بعصبية مش عاجبني إنك بتستخدمي أحمد علشان تغيظيني. نظرت إليه من خلال المرآة وأنا أخلع قرطي غريبة أنا بقالي ١٧ سنة بسمع اسم سارة في بقك. دي هزار. أكيد هزارك دائمًا مسموح.
ومنذ ذلك اليوم، كلما أطلق مزحة، أعدتُها إليه. إذا قال إن سارة تطبخ أفضل، قلت إن أحمد لا يترك زوجته وحدها تغسل الصحون بعد العزومات. إذا قال إن سارة تبدو أصغر سنًا، قلت إن أحمد يكبر بهدوء واحترام، لا بعقدة شاب في العشرين. إذا قال إن سارة كانت ستصبح زوجة أفضل، ابتسمت وقلت وأحمد كان سيصبح أبًا أفضل. عندها توقف عن الضحك.
لكن اللحظة الأخيرة جاءت في عيد ميلاده الخامس والأربعين. امتلأ البيت بالضيوف. الأغاني الشعبية تخرج من السماعات. صواني الكفتة والكباب في البلكونة. أقاربه يضحكون بصوت مرتفع. وسارة وصلت وهي تمسك يد ليان، لأن ابنتي أصبحت تشعر بالأمان معها أكثر من أبيها. ووصل أحمد أيضًا. كان محمود سعيدًا أكثر من اللازم. إلى أن رفع كوبه أمام الجميع. كنت أعرف ما سيقوله قبل أن ينطق شكرًا لكل اللي حضر وشكر خاص لمراتي، اللي رغم إنها مش سارة، لكنها بتحاول يعني.
خرجت ضحكتان فقط. أما الباقون فبقوا صامتين. نظرت إليّ ليان. كانت عيناها تتوسلان دون كلام. وهنا فقط وقفت ببطء. حملت الكوب. ابتسمت. ثم قلت بصوت واضح، حتى إن الجيران ربما سمعوه نخب محمود الرجل الذي قضى ١٧ سنة يعتقد أن إهانتي أمر مضحك. والأب الذي جعل ابنته تبكي بعدما أقنعها أن امرأة أخرى كانت ستصبح أمًّا أفضل مني.
احمرّ وجهه فورًا هتبدئي دراما دلوقتي؟. لكنني أكملت وأريد أيضًا أن أشكر أحمد. التفت الجميع نحوه. تجمّد أحمد مكانه. ثم قلت لأنه لو طلب مني يومًا أن أرحل معه فلن أتردد ولو لثانية واحدة. سقط الصمت فوق البيت كله. وضرب محمود الطاولة بعنف إنتِ قلتي إيه؟!.
تحرك أحمد أخيرًا من مكانه وهنا فهم محمود أن الليلة خرجت تمامًا عن سيطرته. لم يتنفس أحد. لا سارة. ولا أحمد. ولا ليان، التي كانت تضغط بيدها الصغيرة على الإسورة التي صنعتها لأبيها في المدرسة، وكأنها فهمت في تلك اللحظة أن شيئًا كبيرًا على وشك أن يحدث. بقيت واقفة، والكوب في يدي، أشعر بسلام غريب. لم يكن فرحًا. ولا انتصارًا. كان شيئًا أفضل. إحساس امرأة توقفت أخيرًا عن الارتجاف من الداخل.
نهض محمود بسرعة حتى صرّ الكرسي فوق الأرض كرريها. قالها ووجهه أحمر، وصوته محمّل بذلك الغضب الذي لا يخرج من الألم، بل من كرامة مجروحة. نظرت إليه. قبل سنوات، كنت سأنكمش. كنت سأعتذر. كنت سأقول إن المزحة خرجت مني بشكل خاطئ، وإنني لم أقصد إفساد عيد ميلاده، وإنني حساسة قليلًا، وإن الأفضل أن نهدأ. لكن ليس الآن. لأن مشكلة التحمّل الطويل أن المرأة تكتشف يومًا أنها لم تكن تحافظ على السلام. بل كانت تموّل قسوة غيرها بصمتها.
قلت بهدوء، دون صراخ قلت إن أحمد لو طلب مني أرحل معه فلن أتردد ولو لثانية. خرج من والدته صوت خافت يا ساتر يا رب. وتنحنح أحد أقاربه بارتباك. استمرت الأغاني من السماعات لثوانٍ سخيفة، حتى أسرع أحدهم وخفّض الصوت. عندها صار الصمت أثقل. أشار محمود نحوي بالكوب إنتِ قليلة الأدب. محمود، اهدأ شوية. الموضوع مش.... صرخ فيه محمود إنت تسكت خالص. ما تدخلش في جوازي.
لكنني قاطعته لا يا محمود. هو لم يدخل في جوازنا. أنت الذي أدخلت سارة