ارموها مش عايزها ( حكاوي شيمو)

لمحة نيوز

أنا عمري ما هنسى الجملة دي... دي كانت آخر حاجة سمعتها البنت من أبوها وهي واقعة على الأرض بتنهج ومش قادرة تاخد نفسها. كل ذنبها... إنها اتولدت بنت.

​من أول يوم اتولدت فيه، وأهلها كانوا زعلانين. كانوا بيقولوا معلش... الجاية ولد. لكن الجاية كمان كانت بنت. ومن ساعتها والبنت الكبيرة بقت شايلة ذنب عمرها ما عملته. لا حضن، ولا كلمة حلوة، ولا لعبة، ولا حتى نظرة رضا. ولما وصلت سن المدرسة، كانت كل يوم تبص للبنات وهما رايحين بشنطهم، وتحلم تبقى زيهم. لكن أبوها قالها بمنتهى القسوة: "إحنا مش هنصرف على تعليم البنات... مكانك المطبخ". ومن يومها وهي طفلة، بقت ست البيت. تغسل، وتطبخ، وتنضف، وتربي أختها الصغيرة، وأمها كل ما تتعب تقولها: "استحملي... ده نصيبك".

​وبعد كام سنة، ربنا رزقهم بالولد اللي كانوا مستنيه. اليوم ده كان بالنسبة لهم عيد. دبحوا، وعزموا الناس، وكل كلامهم بقى: "أخيرًا جه اللي هيشيل اسم أبوه". ومن يومها، بقت حياة البنت أرخص من أي حاجة. لو الواد طلب حاجة... تتنفذ. ولو هي طلبت كراسة أو جزمة... يقولوا: "اصبري".

​وبعدين بدأت تكح. كحة شديدة، بالليل والنهار، وجسمها بيضعف يوم بعد يوم. كانت كل ليلة تدخل لأمها تقولها: "يا ماما بالله عليكي وديني لدكتور... صدري واجعني". فترد عليها وهي مقطبة: "هو إحنا معانا فلوس نرميها؟ اشربي يانسون وروحي كملي شغل". وفضل الحال كده... لحد ما في يوم، الولد نفسه كح. في لحظة واحدة البيت كله اتقلب. الأب جري يجيب عربية، والأم فضلت تعيط وتحضن ابنها وتقول: "ابني... جرالك إيه؟". وقبل ما يركبوا، قالوا للبنت: "اركبي معانا... يمكن العدوى جاتله منك".

​وفي نص الطريق... البنت وشها اصفر، نفسها اتقطع، ووقعت على الأرض. بصت لأبوها وقالت بصوت مكسور: "بابا... بالله عليك متسبنيش". بصلها ثواني... وقال الكلمة اللي كسرت قلبها قبل ما تكسر روحها: "سيبوها... المهم نلحق الواد". وسابوها مرمية على الطريق... ومشيوا.

​لكن ربنا كان كاتب لها عمر جديد على إيد ست غريبة، أرملة، معاها تلات أولاد، وقلبها أحن من ألف أب وأم. ولما الست رجعتها لأهلها بعد ما خفت، كانت متخيلة إنهم هيحضنوها... لكن اللي حصل كان صدمة أكبر من اللي فات. الأب قال بكل برود: "إحنا مش عايزينها... خديها". في اللحظة دي، البنت فهمت إنها فقدت أهلها وهم لسه عايشين... لكنها ماكنتش تعرف إن الأيام جاية وفيها حساب صعب جدًا... وإن الولد اللي فضلوه عليها هيكون أول واحد يكسر قلبهم، أما هي... فهي اللي هيكون بإيدها تنقذهم بعد ما الدنيا كلها تتخلى عنهم.

​الجزء الأخير

​بعد ما الأب قال: "إحنا مش عايزينها... خديها". الست بصتله بصدمة، وقالت: "إنت متأكد إن دي بنتك؟". رد بكل برود: "لو كانت بنتي... ماكنتش هرجعها ليكي". مسكت الست إيد البنت، وكانت الصغيرة بترتعش من العياط، ومش فاهمة إزاي البيت اللي اتولدت فيه بقى مقفول في وشها. حضنتها الست وقالت: "من النهارده... أنا أمك. يمكن مخلفتكيش، لكن والله هعوضك عن كل دمعة نزلت منك".

​ومن اليوم ده، حياة البنت اتغيرت. دخلتها المدرسة رغم إن الست كانت بالكاد بتصرف على أولادها التلاتة. كانت تشتغل الصبح في تنظيف البيوت، وبالليل تعمل أكل تبيعه عشان تعرف تجيب مصاريف المدرسة. وكل ما البنت تقول: "سيبي المدرسة يا ماما... أنا مش عايزة أتعبك"، كانت تبتسم وتقول: "أنا نفسي أشوفك دكتورة... ده حلمي". ولأول مرة في حياتها... حد آمن بيها.

​كبرت البنت، وكانت من أوائل الجمهورية. دخلت كلية الطب بمنحة كاملة. وفي يوم التخرج، أول واحدة جريت حضنتها كانت الست اللي ربتها، وقالت وهي بتبكي: "النهارده ربنا جبر كسري".

​أما أهلها... فكانوا عايشين حياة تانية خالص. الولد اللي كانوا شايفينه كل حاجة، اتعود إن كل طلباته أوامر. كبر مدلل، وساب التعليم، وصاحب ناس سوء. وبدأ يطلب فلوس كل يوم. الأب كان يبيع حتة أرض ويقوله: "آخر مرة". لكن مفيش آخر مرة. لحد ما باعوا دهب الأم، وبعدها البيت نفسه. وفي الآخر... الولد اتجوز، وأول ما كتب الكتاب قال: "أنا مراتي مش هتعيش معاكم". ورماهم في شقة إيجار صغيرة، ولا بيسأل عليهم. ولو اتصلوا بيه... يقفل السكة في وشهم.

​وفي يوم، الأب وقع في الشارع بجلطة. والأم كانت بتصرخ: "حد يلحق جوزي". الناس جريت، والإسعاف خدته على المستشفى. وكان محتاج عملية خطيرة في أسرع وقت. الأم فضلت ترن على ابنها عشرات المرات. رد بعد ساعات وقال بكل ملل: "أنا مسافر مع مراتي... شوفوا حد غيري". وقفلت المكالمة... والأم انهارت من العياط.

​بعد شوية، دخلت دكتورة شابة بكل هدوء تراجع التحاليل. أول ما بصت في اسم المريض... اتجمدت مكانها. دخلت الأوضة... ولقت أبوها. كبر أوي... وشعره كله أبيض. وأمها قاعدة جنبه بتعيط. الأم رفعت عينيها، وبمجرد ما شافتها، فضلت تبص لها كأنها شايفة شبح. وقالت بصوت مرتعش: "إنتِ؟". الدكتورة ابتسمت ابتسامة كلها وجع وقالت: "أيوه... البنت اللي سيبتوها في الطريق".

​الأم وقعت على رجليها وهي بتبكي: "سامحيني... والله كل يوم كنت بندم... كنت مستنية أشوفك قبل ما أموت". الأب فتح عينه بالعافية، وأول ما عرفها، انفجر في البكاء. قال: "أنا استاهل كل اللي حصلي... سامحيني يا بنتي". البنت كانت قادرة تسيبهم... وقادرة تفتكر كل اللي عملوه فيها... لكن الست اللي ربتها كانت دايمًا تقولها: "الطيبة عمرها ما كانت ضعف... وربنا بيجبر خاطر اللي بيعفو". مسحت دموع أمها وقالت: "أنا مسامحاكم... من زمان". وتابعت بنفس الهدوء: "وأنا اللي هعمل العملية لبابا... ومش هسيبه".

​وبالفعل... العملية نجحت. ولما الأب خرج من المستشفى، ماكانش عنده بيت يرجعله. ولا ابن يسأل عليه. ساعتها البنت أخدتهم يعيشوا معاها في بيتها. وكانت كل يوم تقدم لهم الأكل والدواء بنفسها. الأم كانت كل ليلة تبص لها وهي نايمة وتبكي، وتقول: "إحنا كنا عميان... كنا فاكرين الولد هو السند، وطلع السند الحقيقي البنت اللي ظلمناها".

​أما الست اللي ربتها... فالبنت اشترتلها بيت كبير، وكتبت باسمها كل اللي تقدر عليه. وقالت قدام الناس كلها: "الست دي هي أمي... ولو وصلت للي أنا فيه، فبفضل ربنا ثم فضلها".

​وفي يوم، الابن رجع بعدما ضاعت فلوسه، وطردته مراته، وجاي يطلب من أبوه يساعده. الأب بصله وقال لأول مرة بحزم: "أنا صرفت عمري كله عليك، وخسرت بنتي بسببك... النهارده مفيش عندي غير بنت واحدة، وهي اللي وقفت جنبي لما الكل سابني". وقف الابن مصدوم، ومشي وهو حاسس إنه خسر كل شيء. أما البنت... فكانت واقفة في البلكونة، تبص للسماء، وتفتكر اليوم اللي اترمت فيه على الطريق. ابتسمت وهي تهمس: "يمكن الناس رمتني... لكن ربنا عمره ما سابني".

تم نسخ الرابط