قبل ما يتنفذ فيه حكم الإعدام بلحظات، بنته اللي عندها تمان سنين قربت منه ووشوشته بكلمة خلت الحراس يقفوا مكانهم

لمحة نيوز

كان إبراهيم فوزي قاعد في زنزانته الانفرادية، عينه مش بتفارق عقارب الساعة اللي متعلقة برة في الممر، وصوت تكتكتها كان عامل زي دقات طبول الحرب جوة دماغه. السجن في الليل بيكون له صوت مرعب، صمت قاتل مش بيقطعه غير أنين مسجون بعيد، أو خبطة جزمة عسكري بيمر في النبطشية. إبراهيم كان لابس البدلة الحمرا، البدلة اللي أي حد بيدخل السجن بيستعيذ ربنا إنه يلبسها، لأنها ببساطة بتعني إن أيامك في الدنيا بقت معدودة. بقاله خمس سنين كاملة عايش في الكابوس ده، خمس سنين وهو بيصحى وينام على جملة واحدة بيقولها لكل اللي يقابله، من أول الشاويش لحد رئيس المباحث: "أنا مظلوم، أنا مقتلتش مراتي". بس الكلام في الأماكن دي ملوش تمن، والورق مبيحسش، والقاضي حكم بناءً على اللي قدامه في المحضر.
الجريمة من خمس سنين هزت الرأي العام، لما الشرطة لقت جثة أمل، مرات إبراهيم، مقتولة في شقتهم، والسكينة عليها بصمات إبراهيم، وهدومه كانت مليانة دم. حتى البواب شهد إنه شاف إبراهيم داخل الشقة قبل الجريمة بساعة وهو متعصب. كل الأدلة كانت متقفلة بالضبة والمفتاح، ومكانش فيه ثغرة واحدة تديه أمل في النجاة. المحامي بتاعه رفع إيده لفوق وقال له: "يا إبراهيم يا ابني، القضية متفصلة عليك تفصيل، ومفيش في إيدي حاجة أعملها". ومن يومها، إبراهيم اتقفل عليه الباب، واتحكم عليه بالإعدام، ومبقاش فاضل له في الدنيا غير بنته الصغيرة، أمل، اللي كان مسميها على اسم أمها، واللي كان عندها تلات سنين لما سابها، ودلوقتي بقى عندها تمان سنين وعايشة في دار رعاية تابعة للشؤون الاجتماعية، لأن مفيش أي قرايب يرضوا يربوا بنت راجل محكوم عليه بالإعدام بتهمة قتل مراته.
يوم التنفيذ جه، الساعة كانت خمسة الصبح لما الباب الحديدي اتفتح بصوت مزعج يخلع القلب. دخل العقيد رأفت متولي، مأمور السجن، ومعاه الشيخ والضابط المسؤول عن التنفيذ. العقيد رأفت كان راجل عجوز، شعر راسه كله أبيض، وحضر في حياته إعدامات كتير جداً لدرجة إنه مبقاش يتأثر، بس إبراهيم كان حالة خاصة. طول خمس سنين، العقيد رأفت كان بيراقب إبراهيم، شافه وهو بيصلي، شافه وهو بيعيط في السكت، وشاف في عينه نظرة انكسار مش نظرة مجرم عاتي. فيه حاجة جوة العقيد رأفت كانت بتقول له إن الراجل ده وراه سر، بس القانون مبيعمش بحاسة المأمور السادسة. العقيد رأفت قرب من إبراهيم وقال له بصوت هادي: "وقتك جه يا إبراهيم. لو ليك أي طلب أخير، أو عايز تكتب وصيتك، قولي". إبراهيم رفع راسه، عينيه كانت حمرا ومنفوخة من قلة النوم، بس صوته كان ثابت وغريب، قال له: "أنا مش عايز أكتب، ولا عايز آكل. أنا بقالي تلات سنين مشفتش بنتي أمل. أرجوك يا فندم، أبوس إيدك، خليني أشوفها لدقيقة واحدة بس، أموت وأنا شايف وشها".
المأمور تردد، التعليمات صارمة والوقت ضيق، والضابط اللي معاه بصل في ساعته وقال: "يا فندم مفيش وقت، اللجنة على وصول". بس العقيد رأفت حس بوجع في قلبه، افتكر بنته وأحفاده، وبص لإبراهيم وقال للضابط: "أنا هتحمل المسؤولية، كلم الشؤون الاجتماعية يبعتوا البنت فوراً في عربية تابعة لنا، هنأخر التنفيذ ساعتين لحد ما البنت تيجي، ده طلب إنساني وأخير". وفعلاً، بعد حوالي ساعتين، كانت العربية وصلت، ونزلت منها الأخصائية الاجتماعية ومعاها الطفلة أمل. البنت كانت كبرت، شعرها أسود طويل وعينيها واسعة وفيها حزن ميتناسبش مع سنها الصغير أبداً. مشيت في ممرات السجن وهي ساكتة، مبكتش ولا صرخت، والمساجين اللي في الزنازين لما شافوا الطفلة معدية ببدلتها البسيطة سكتوا تماماً، وساد السجن حالة من الذهول.
دخلت البنت أوضة الزيارة، وإبراهيم كان قاعد ومتكلبش في التربيزة الحديد. أول ما شافها، الدموع نزلت من عينيه زي المطر، ونطق بصوت مخنوق: "حبيبة قلب أبوكي.. كبرتي يا أمل". البنت قربت منه بخطوات بطيئة وثابتة، مكانش فيه دموع في عينيها، كأنها كانت شايلة هم أكبر من سنها بكتير. مالت على ودنه، والحراس واقفين مراقبين كل حركة، وفجأة وشوشته بكلمات خلت إبراهيم يتسمر في مكانه وعينيه تتوسع من الصدمة، والحراس لما شافوا رد فعله وشافوا البنت بتطلع من جيب فستانها الصغير المحفور من جوة شريحة تسجيل صغيرة جداً "فلاشة"، استغربوا. الطفلة بصت للمأمور وقالت بصوت طفولي بريء بس قوي: "عمو العسكري، عمو التاني هو اللي موّت ماما، مش بابا. عمو رفعت اللي بيجي يقعد مع عمو المحامي".
المأمور أول ما سمع الاسم ده، جسمه قشعر. رفعت ده هو رجل أعمال كبير جداً في المنطقة اللي كان عايش فيها إبراهيم، وكان صاحب العقار والمحامي اللي دافع عن إبراهيم هو المحامي الخاص بشركات رفعت! العقيد رأفت أخد الفلاشة بسرعة ودخل مكتبه وحطها في الكمبيوتر، وكان فيها تسجيل صوتي واضح جداً لرفعت وهو بيتفق مع المحامي على تزوير الأدلة وتثبيت التهمة على إبراهيم، وتدبيس البواب في شهادة زور بعد ما هدوده ببنته، والسبب إن أمل، مرات إبراهيم، كانت شغال سكرتيرة عند رفعت وعرفت سر خطير عن تجارة ممنوعة وتخليص أراضي، ولما هددته، قرر يخلص منها ويلبسها لجوزها الغلبان اللي بيشتغل محاسب بسيط في شركته. الطفلة لقت الفلاشة دي بالصدفة جوة ألعاب قديمة في الشقة لما راحت تلم حاجتها مع الأخصائية، وكانت شايلاها طول السنين دي ومش فاهمة إيه دي، لحد ما كبرت شوية وفهمت من كلام التلفزيون إن دي ممكن تنقذ أبوها.
العقيد رأفت مضايرش وقت، اتصل بوزير العدل والنائب العام فوراً، وعرض عليهم التسجيل الصوتي اللي فيه اعتراف صريح بالخطة وتواطؤ المحامي. في ظرف أقل من ساعتين، وصدر قرار عاجل من النائب العام بوقف تنفيذ حكم الإعدام فوراً وبشكل مؤقت، وإعادة فتح التحقيق في القضية بالكامل. الخبر انتشر في البلد زي النار في الهشيم، الجرايد والمواقع مكنش وراهم غير قصة المحاسب البريء وبنته اللي أنقذته من على حبل المشنقة في آخر ثانية. الشرطة حاصرت بيت ورجال أعمال رفعت والمحامي، وفي ظرف 24 ساعة كانوا مقبوض عليهم وواقفين ورا القضبان بيتراشقوا التهم. إبراهيم خرج من السجن بعد كذا يوم بقرار إفراج وسط زفة شعبية من أهل منطقته اللي عرفوا الحقيقة، وأول حاجة عملها إنه أخد بنته أمل في حضنه، ودموعه نازلة، وهو مش مصدق إن حتة عيلة صغيرة بكلمة في الودن وبفلاشة منسية، قدرت تهد جبل من الفساد وترجع الحق لأصحابه.
 

تم نسخ الرابط