لا تثق بأحد بقلم: سمير الشريف القناوص
يحكى أنه كان يوجد ثلاثة أخوة متزوجين، وكانوا يعيشون في بيت واحد. وعندما اشتدت بهم الظروف وزاد حجم الفقر والعناء، قرروا أن يسافر أحدهم إلى إحدى الدول الخليجية للبحث عن عمل ويرسل المال إلى الأسرة.
طلبوا من أخاهم الأكبر أن يسافر ويتغرب، ولكنه رفض وقال:
"أنا الأكبر من بينكما وأنني أجيد التصرف في شؤون رعاية الأسرة، فليذهب الأخ الأوسط".
ولكن الأخ الأوسط رفض أيضاً.
حينها قال الأخ الأصغر، وكان مسكيناً وطيب القلب، لهما بهدوء:
"حسناً يا إخوتي، سوف أسافر أنا، ولكن أريد منكما أن تحسنا رعاية أولادي وزوجتي".
فأجاباه:
"لا تقلق ولا تفكر بهذا الأمر، وسنجعلهما في أعيننا".
وأتفقوا أن يرسل المال عندما يحصل على عمل هناك، وأن يقسموا المال إلى ثلاثة أقسام: قسماً يضعونه جانباً من أجل فتح مشروع في المستقبل، والبقية توزع بين الجميع ما بين مصاريف لكل الأسرة.
وفي اليوم التالي، ودع الشاب أسرته وزوجته وأولاده وسافر متوكلاً على الله. وبعد أسبوع، استطاع الشاب العثور على عمل في أحد أرياف المنطقة في دولة خليجية كراعي إبل وأغنام وأبقار.
كان العمل يبدو صعباً في البداية، وبعد الممارسة والتأقلم استطاع الشاب التكيف مع الرعية، فقد كان يعمل منذ بزوغ الفجر حتى غروب الشمس.
وبعد شهر، قبض الشاب أول راتب وكان 1500 ريال، فاتصل على إخوته وأخبرهم أنه حصل على راتبه الأول، فقالوا له:
"إياك أن تخون وعدنا كما اتفقنا، أرسل بجميع المال الذي حصلت عليه إلينا وسنقوم بتقسيمه كما اتفقنا".
شعر الشاب بالسعادة وأرسل جميع المال إليهما.
تابع الشاب في العمل في رعي المواشي حتى نهاية الشهر الثاني، فقبض نفس المبلغ وقام بإرساله لإخوته. وفي الشهر الثالث فعل كما كان يفعل في كل شهر؛ يقوم بإرسال المال كاملاً إليهم دون أن يأخذ منه ثمن لشراء ثوب جديد.
فتعجب الرجل الذي يعمل الشاب لديه، فقال له:
"لماذا تقوم بإرسال المال كاملاً دون أن تأخذ منه شيئاً لنفسك كما كان يفعل الذي كان يعمل قبلك؟"
فقال الشاب:
"اتفقنا أن نجمع المال لبناء مشروع لأنفسنا، ونكسب من المشروع ونوسع رزقنا، هكذا اتفقت مع إخوتي".
فقال الرجل صاحب العمل:
"وهل تثق بهم؟"
أجاب الشاب:
"أجل يا سيدي، إنهم إخوتي من لحمي ودمي فكيف لا أثق بهم".
فقال الرجل:
"بالتوفيق، أتمنى أن يكونوا عند حسن ظنك بهم".
وبعد أيام، قام الرجل صاحب العمل بشراء الكثير من المواشي إضافة على المواشي التي في حظيرته الكبيرة، ولكن تفاجأ الرجل أن الشاب لم يعترض ولم يطالب برفع راتبه، فشعر الرجل بالأمان لعدم طلبه المزيد من المال إضافة فوق راتبه. وكان الشاب يعمل بكل أمانة وصدق وكان لا يغيب يوماً عن الرعي.
وذات مرة، اقترب موعد استلام الراتب، فقام الرجل بإعطائه 1200 ريال فقط، فقد أنقص منها ثلاثمائة ريال، ولكن لم يعترض الشاب.
ولكن عندما أخبر إخوته أنه قبض 1200 فقط، غضبوا منه وقالوا:
"لقد سولت لك نفسك وقمت بخيانتنا! ولكن سوف نخصمها من مصاريف زوجتك وأولادك هذا الشهر".
فلم يعترض وقال:
"حسناً لا مشكلة، أهم شيء جمع مال المشروع".
لقد كان الشاب واثقاً، وذات مرة اتصل بزوجته وسألها عن الأحوال هناك، وهل يجمع إخوته المال للمشروع، وهل يعطونها المال؟
فأجابت:
"لا يعطونني أي شيء منذ رحيلك قط! كل ما يفعلونه لنا هو إطعامنا فقط لا غير، حيث يقومون بشراء المجوهرات لزوجاتهم والألعاب لأولادهم، ولم يشتروا لنا أي شيء".
فأغلق الشاب المكالمة وأصبح حزيناً من خيانة إخوته.
فأقبل الرجل صاحب العمل يبحث عنه، فوجده يجلس وحيداً تحت شجرة ويبكي، فقال له الرجل:
"ما بك أيها الشاب؟ لماذا أنت حزين؟"
أجاب:
"لا شيء، كل ما في الأمر أنني أشتاق لعائلتي فقط".
لقد مضى عام ونصف وهو يقوم بإرسال المال كاملاً، وكان يظن أنه سيعود إلى وطنه ويجد مشروعه جاهزاً.
وفي اليوم التالي، ذهب الشاب إلى الرجل وهو يشعر باليأس وكان الهم واضحاً على كتفه، وقال له:
"أريد أن أعود إلى وطني، ابحث عن راعٍ آخر يهتم برعاية حظيرتك".
فأجاب الرجل:
"كما تريد، ولكن إذا استطعت إقناعي بأن أدعك ترحل سوف أسمح لك بالرحيل، وإذا لم تستطع..."