عشرون عاماً من الانتظار
في مصر عام 1986، كان هناك طفل صغير اسمه ياسين، عمره خمس سنوات فقط، يعيش في قرية فقيرة بالصعيد مع أمه وإخوته، حياة لا تشبه الطفولة في شيء. لم يكن يملك ألعابًا ولا غرفة آمنة ولا سريرًا دافئًا، كان يعرف الشوارع أكثر مما يعرف الحكايات، ويعرف الجوع قبل أن يعرف معنى المدرسة. كان أخوه الأكبر حامد هو عالمه كله، يمسك بيده في الطرق المزدحمة، يأخذه معه بحثًا عن عمل بسيط، ويجعله يشعر أن الدنيا مهما كانت قاسية لن تبتلعه ما دام أخوه بجانبه.
في ليلة من الليالي، خرج ياسين مع أخيه كعادتهما، يسيران بين المحطات والقطارات والناس، حتى وصلا إلى محطة كبيرة مليئة بالضجيج والوجوه المتعجلة. كان التعب قد غلب الطفل الصغير، جلس على مقعد بارد يحاول أن يقاوم النوم، لكن عينيه كانتا تنغلقان رغم خوفه من أن يفارق أخاه لحظة واحدة. قال له حامد بصوت هادئ: "استناني هنا يا ياسين، هرجع لك بعد شوية". لم يكن ياسين يعرف أن هذه الجملة ستكون آخر صوت يسمعه من أخيه، وآخر خيط يربطه بالمكان الذي جاء منه.
أغمض عينيه لدقائق، أو هكذا ظن، وحين فتحهما لم يجد أخاه بجانبه، فقط زحام لا ينتهي وأصوات لا تفهم خوف طفل في الخامسة. قام يبحث عنه بين الوجوه، يناديه بصوت ضعيف ثم بصوت أعلى، لكن صوته كان يضيع وسط صفارات القطارات وصخب الناس. دخل إلى قطار متوقف، ظن أن أخاه ربما صعد إليه أو أنه سيعود ويجده هناك، فجلس على مقعد فارغ ينتظر كما وعده. لكن التعب عاد أقوى من خوفه، فنام مرة أخرى دون أن يدرك أن أبواب القطار ستغلق، وأنه سيبدأ رحلة لا يعرف نهايتها. تحرك القطار ببطء، ثم أخذ يبتعد بسرعة، حاملًا طفلًا صغيرًا لا يعرف اسم قريته ولا يملك عنوان بيته ولا يستطيع أن يشرح لأحد أين يريد العودة.
عندما استيقظ، لم يجد المحطة التي يعرفها، ولا أخاه، ولا أي وجه مألوف، بل وجد نفسه في مدينة ضخمة تبعد مئات الكيلومترات عن بيته. نزل من القطار مذعورًا، كان الناس حوله يتكلمون بسرعة لا يفهمها، وهو يردد اسم أمه وأخيه بطريقة لا تساعد أحدًا على معرفة مكانه. نام في الشوارع، هرب من غرباء حاولوا استغلال ضعفه، وجلس أيامًا بين محطات القطار يراقب كل طفل يمسك يد أخيه وكأن قلبه ينكسر من جديد. بعد فترة، وصل إلى دار رعاية، وهناك بدأ فصل جديد من حياته، لكنه لم يكن فصلًا اختاره، بل فصلًا فرضه عليه ضياع لا يفهمه طفل صغير. تبنته عائلة طيبة من مدينة بعيدة، وأخذته إلى بيت آمن، وهناك كبر وتعلم ونجح وعاش حياة مختلفة، لكن شيئًا داخله ظل عالقًا عند تلك المحطة القديمة. كان كلما نام يرى مقعد القطار، وصوت حامد، ووجه أمه زينب، وطريقًا ترابيًا قرب بيتهم، لكنه لم يكن يعرف أسماء الأماكن ولا يستطيع أن يشرح ذاكرته لأحد.
كبر ياسين، وصار رجلًا، لكن الطفل الذي نام في القطار لم يكبر داخله، ظل يبحث في قلبه عن أمه كما يبحث الظمآن عن نقطة ماء. بعد أكثر من عشرين سنة، بدأ يستخدم الخرائط والصور، يقيس المسافات التي قد يقطعها قطار قديم في تلك الليلة، ويفتش في كل خط وكل محطة كأنه يفتش داخل ذاكرته. كان يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة، يقترب من القرى والطرق والترع الصغيرة، وكلما وجد مكانًا يشبه حلمًا قديمًا شعر أن قلبه يسبق عينيه. وفي يوم لم يكن مختلفًا عن غيره، رأى على الخريطة شيئًا جعله يتجمد، كوبري صغير ومحطة قديمة وطريق ترابي قريب من صورة كانت عالقة في ذاكرته منذ طفولته. قرر أن يعود إلى الصعيد، لا يملك يقينًا كاملًا، لكنه كان يحمل إحساس طفل ضاع ذات ليلة ويريد أن يسأل الأرض نفسها: هل تعرفينني؟
وصل إلى القرية القديمة، ومشى في شوارع لا يعرف أسماءها لكنها تعرف قدمَيه، وكل خطوة كانت تفتح بابًا صغيرًا في ذاكرته. سأل الناس عن أمه زينب، عن عائلته، عن طفل ضاع قبل سنوات طويلة، وكثيرون لم يفهموا قصته، لكن ملامحه كانت تقول إنه لا يبحث عن عنوان فقط، بل عن عمر ضائع. وفجأة، وقف أمام بيت بسيط، ورأى امرأة مسنة تخرج من الداخل، فشعر أن قلبه توقف قبل أن يسمع صوتها. كانت أمه، نفس العينين، نفس الملامح التي لم تستطع السنوات أن تمحوها من ذاكرته، وما إن رأته حتى عرفته كأنها كانت تنتظره عند الباب منذ يوم غيابه.
ارتعشت يد الأم وهي تلمس وجهه، وبكت بكاءً غسل سنين القهر والانتظار، وظل ياسين يعانقها وهو يظن أن كابوس الغربة قد انتهى تمامًا، وأن الدائرة قد اكتملت أخيرًا بالوصول. لكن عندما هدأ البكاء، واستقر به المقام داخل البيت الذي غادره طفلًا، التفت يمينًا ويسارًا يبحث بلهفة عن الشخص الذي كان سببًا في نجاته وضياعه في آن واحد، سألها والدموع تجري في عينيه: "فين حامد يا أمي؟ أنا رجعت علشانه هو كمان، أنا مانسيتش كلمته ليا في المحطة". سكتت الأم، وسقطت دموعها مجددًا كأن جرحًا قديمًا قد انفتح، وأخذت يد ياسين بين كفيها المرتجفتين وقالت بصوت متهدج: "حامد مارجعش البيت من الليلة دي يا ابني".
صدمة ياسين كانت كصعقة كهربائية، فلم يتخيل أبدًا أن أخاه الأكبر قد اختفى هو الآخر. واصلت الأم كلامها لتكشف له الحقيقة والسر الذي احتفظت به طوال تلك العقود، وقالت: "في ديك الليلة، لما حامد سابك علشان يجيب لقمة تاكلوها، وقعت خناقة كبيرة وضجة في المحطة بين عمال وبائعين، والشرطة تدخلت وجريت ورا الكل. حامد خاف عليك وجري بأقصى سرعة علشان يرجع لك ويحميك، لكن وسط الزحام والجري سقط تحت عجلات قطار كان بيتحرك بسرعة على رصيف تاني. لما عرفت باللي حصل وجريت على المستشفى، كان حامد في أنفاسه الأخيرة، وقبل ما تطلع روحه، بكي وقالي: (أنا سبت ياسين على الرصيف يا أمي، ضيعته مني، بس هو عايش.. أنا عارف إنه عايش وهيجي لك في يوم من الأيام، اوعي تسيب البيت ده علشان لما يرجع يلاجيكي)".
أدرك ياسين في تلك اللحظة السر وراء تمسك أمه بهذا البيت المتهالك طوال عشرين عامًا ورفضها مغادرته رغم كل المغريات والظروف الصعبة، فقد كانت تعيش على وصية طفلها الراحل وأمل لقاء طفلها المفقود. لقد مات حامد وهو يحاول إنقاذ أخيه، وبقيت روحه تحرس العهد حتى أوفى ياسين بالوعد وعاد. جلس ياسين على الأرض، يبكي شقيقه الذي دفع حياته ثمنًا للحظة غياب، لكنه شعر في نفس الوقت براحة غريبة؛ فالحلقة المفقودة قد وجدت، وعاش ما تبقى من عمره بارًا بأمه، حاملًا اسم أخيه حامد بخرير من الفخر والدعاء، معوضًا أمه عن كل يوم قضته وهي تنتظر دقات خطاه على أعتاب البيت البسيط.