الحكاية كاملة وحش على طاولتنا
الحكاية كاملة وحش على طاولتنا
لميت هدوم ابني اللى عنده 22 سنة في أكياس زبالة سودا ورميته بره البيت، ومراتي واقفة تصرخ وتقولي إنت وحش وقاسي! بس بالليل، تليفونه اللي نسيه كشفلي إن الوحش الحقيقي كان بياكل معانا على نفس الترابيزة بقاله شهور!
اسمي محسن الشامي.
عندي خمسة وخمسين سنة.
عايش في منطقة شبرا، وبشتغل من لما كان عندي 16 سنة عشان عيلتي عمرها ما تبات جعانة، ولا تمشي حافية، ولا تخاف من صاحب البيت يطردها عشان الإيجار.
ده اللي كنت فاكر إني بديهولهم
الأكل بكرامة.
السقف اللي حاميهم.
الاحترام وسط الناس.
لكن من غير ما آخد بالي، كنت بربي ملك من غير مملكة.. شاب من غير شغل، ومن غير دم أو ريحة الشرف.
ابني اسمه رامي.
اتنين وعشرين سنة.
صحة زي البمب، كتاف عريضة، طول بعرض.. وما شاء الله صحته هدت حيل.
بس كان عنده موهبة فظيعة وباردة إنه يخلي أمه تحس بالذنب لمجرد إنها بتتنفس بصوت عالي في البيت!
ساب الكلية السنة اللي فاتت، وبكل برود قال مش سكتي يا حج.
بعدها اشتغل في محل موبايلات وسابه المدير شخصية سامة ومعقدة.
اشتغل في مخزن وسابه المشوار بعيد وبيركبني مواصلتين.
اشتغل في كافيه وسابه المرتب شحاتة وإهانة.
كل شغلانة كان بيطلع فيها القطط الفاطسة.. الشغل كله كان معيوب، ورامي بس هو اللي كامل مكمل!
كامل وهو ممدد على الكنبة..
كامل وهو شغال سحب من فيزا المشتريات بتاعتي..
كامل وهو بيصحى الساعة اتنين الظهر ويفضل يصرخ في مايك الهيدفون وبيلعب ببجي لحد الساعة تلاتة الفجر!
كان يسيب علب الأندومي الفاضية تحت السرير..
شراباته المعرقة في الحمام..
قزايز الكولا
وأكياس الشيبسي ورا الكنبة..
ولما أمه الغلبانة تقوله يا رامي ساعدني، كان يرد من غير ما يشيل السماعات من ودنه ثانيتين يا ماما.
والثانيتين دول ممكن يقعدوا أربع أيام!
مراتي، شادية، كانت دايماً بتدافع عنه وتخلقله أعذار
يا محسن، الولد مضغوط ومكتئب.
الجيل ده مشوش يا أبو رامي.
ده ابننا وحيدنا.. بلاش تيبس دماغك وتتغير عليه.
كنت بحاول أصدقها.. الأب دايماً بيحب يدور على أي كدبة مريحة قبل ما يواجه الحقيقة المرة.
بس رامي مكنش ضايع ولا مكتئب.. رامي كان مرتاح على الآخر، وإحنا اللي كنا بنفرشله الأرض حرير.
ليلة الانفجار
في الليلة دي، رجعت البيت بعد شفت 12 ساعة في المصنع..
إيديا كانت ورمة من الشغل، قميصي لازق على ظهري من العرق، ورجليا قايدة نار جوه الجزمة.
كانت ريحتي جاز، وعرق أتوبيسات، وتراب ملوش آخر.
كل اللي كنت بتمناه في اللحظة دي دوش دافي، رغيف عيش سخن، وخمس دقايق صمت أرتاح فيهم.
فتحت الباب.. الشقة كانت ضلمة كحل، ما عدا النور الأزرق اللي طالع من شاشة التلفزيون.
وهناك كان رامي..
ممدد بطوله على الكنبة، حاطط رجل فوق رجل على طرابيزة الصالة، دراع البلايستيشن في إيده، وعينيه متنحة في الشاشة وكأن الدنيا دي كلها مديوناله بالعبودية!
شادية كانت واقفة جنبه..
لسه بعبايتها اللي بتروح بيها الشغل، لسه بالجزام في رجلها، طرحتها متبهدلة وعرقانة، ووشها كان باين عليه تعب الست اللي نسيت يعني إيه كلمة راحة.
في إيد كانت شايلة طبق رز بالبسلة واللحمة، وفي الإيد التانية كوباية حاجة ساقعة مشبرة.
قالتله بصوت واطي ومكسور كل يا حبيبي قبل الأكل ما يبرد.
رامي
الحاجة الساقعة دافية يا ماما! هو صعب قوي يعني تحطيها في الفريزر شوية؟
شادية اتسمرت مكانها..
في اللحظة دي، حسيت بنار قادت في بطني وطلعت ل زوري.. نار عمت عيني!
وقفت وقولتله إنت قولت إيه؟
رامي لف راسه يدوب حتة صغيرة وقال ببرود ملوش وصف أهو.. صاحب البيت شرف.
شادية بصتلي.. مكنتش خايفة منه، كانت خايفة مني أنا.. خايفة إني أعمل اللي بقالها شهور بتمنعني أعمله.
رميت شنطة الأكل بتاعتي على الأرض وقولت بصوت يهز الحيطة اعتذر لأمك حالا.
رامي ضحك باستهزاء أعتذر عشان كوباية بيبسي؟ يا بابا متبدأش دراما على المسا الله يخليك.
تعتذرلها عشان بتكلمها كأنها خدامة عندك!
شال ناحية واحدة من السماعة ببطء شديد، وهو بيبصلي بنظرة تحدي مستفزة طب ما تخدمنا إنت يا حج.
شادية همست ودموعها في عينيها عشان خاطري يا محسن.. خلاص بلاش.
بس أنا خلاص.. مبقاش فيا مكان للطلب أو الخواطر.
أنا كنت شايف كتاف مراتي المحنية.. صوابعها الورمانة.. عينيها اللي انطفى منها النور.. شوفت إزاي ابني رباها وخلاها تاخد منه إذن لمجرد إنها تحس بالتعب!
شنط الزبالة السودا
دخلت أوضة رامي..
وهو فضل مكمل لعب، كان فاكرها محاضرة تانية من بتاعة كل يوم وهتعدي.
أوضته كانت ريحتها تقرف.. عرق، أكل معفن، وكركبة.
كوبايات شاي ناشفة على الأرض، شرابات ناشفة ومقرفة تحت المكتب، علب بيتزا، هدوم مش مغسولة..
وشاشة كمبيوتر مالتيا ميديا أكبر من تلفزيون الصالة بتاعنا.. كل ده مدفوع بتمن فلوس هو معرقش في قرش منها!
فتحت الدولاب بتاعه.. طلعت تلات أكياس زبالة سودا كبار.. وبدأت
بناطيل الجينز.. التيشرتات.. الكوتشيات الماركة.. ال هوديز..
الكاب الغالي اللي استلف فلوسه ومردهاش..
السماعات اللي شادية جابتهالها قسط عشان حلفلها إنه هيعمل جيمنج وستريمينج ويغير عيشتنا!
رامي ظهر على باب الأوضة ووشه اتقلب إنت بتعمل إيه يا راجل يا عجوز إنت؟
مردتش عليه.. فضلت ألم وأحشي في الأكياس.
ضحك ودمه بارد ما تبطل تمثيل أفلام بقا.
لميت فرشة سنانه.. شواحن الموبايل.. الجواكت.. شهاداته.. أحلامه المزيفة.. وكسله الحقيقي.
شادية جت تجري وراه وهي بتعيط وبتصرخ لا يا محسن بالله عليك.. ده ابننا.. ده ضنايا.
لفيت وقولتلها ابنك طوله دخل في المترين، بدقن، ولسه مهينك وكسر نفسك عشان كوباية بيبسي!
رامي ضحكته اختفت تماماً إنت بتطردني بجد؟
شيلت أول كيس أسود ومشيت بيه لباب الشقة آه بطردك.
زعق إنت متقدرش تعملها.. متجرأش!
فتحت باب الشقة.. ورميت أول كيس في الطرقة بره.. وبعده الكيس التاني.. وبعده التالت.
الجيران بدأت تفتح الأبواب وتبص من ورا السلك.
شادية مسكت في دراعي وهي بتبكي بدموع قهر ببوس إيدك بلاش.. هيضيع في الشارع.. هيتدمر يا محسن.
بصيت في عينيها وقلبي كان بيتفتت ميت حتة يا شادية.. هو أصلاً ضاع واتدمر.. الليلة دي بس هيتعلم إزاي يمشي على رجله.
رامي طلع ورايا الطرقة حافي، وشه كان أحمر دم من الغل والزعق إنت أب زبالة ومقرف!
قربت منه.. ومكنتش هضربه.. أنا كنت عاوزه يسمعني لأول مرة في حياته من غير ما يكون في سقف حاميه ببلاش
في البيت ده، الناس بتاكل من عرق جبينها.. أمك مش جرسونة عندك، وأنا مش مكنة ATM.. إنت طول بعرض، بلسان طويل وبس.. انزل الشارع
رامي بص لأمه.. بيدور على حمايته المعتادة،