اختي التؤام وبنت جوزي حكايات انجى الخطيب
الشنطة، وقعدت على السرير. الموبايل مكنش بيبطل رن.. حازم.. حازم.. حازم. ورا بعض. مكالمات، ورسايل طولها متر
لبنى ردي عليا.. أنا طردت أصحاب سلمى.. أنا قعدت معاها وكسرتلها كل الصور اللي كانت مضايقاكي.. لبنى أنا مستعد أعمل أي حاجة بس متضيعيش حبنا.
ضحكت بوجع.. كسرت الصور دلوقتي؟ بعد ما وش أختي اتمهد بالضرب؟ بعد ما كرامتي اتهانت؟ الحب اللي بيتصلح ب التكسير ملوش عازة، الحب أصلاً بيجي عشان يبني، مش عشان يستنى لما نتهد فيصلحنا.
تاني يوم الصبح، الباب خبط. فتحت مها، ولقيت حازم واقف. وشّه كان دبلان، دقنه طلعت في يوم وليلة، وعينيه مفيهاش غير الرجاء.
مها وقفت في الطرقة ومربّعة إيدها أظن قلتلك بلاش تيجي هنا يا حازم. المحضر اتعمل، والبوليس هيستدعي بنتك.
حازم اتخطى مها وبصلي وأنا واقفة وراها لبنى.. عشان خاطري اسمعيني. أنا مش جاي عشان سلمى.. أنا جاي عشاننا. أنا سلمى حجزتلها مع دكتورة نفسية من الصبح، وشيلت منها الموبايل، ومش هتنزل من البيت إلا للمدرسة.. أنا عرفت غلطي والله.. أنا كنت خايف عليها تضيع مني ف ضيعتك أنتي.. متقسيش عليا.
قربت منه، وبصيت في عينيه.. المرة دي مكنش فيه الخوف القديم بتاعي، مكنش فيه الرغبة إني أطبطب عليه وأقوله خلاص يا حبيبي متبكيش.
أنا مش قاسية يا حازم، صوته طلع هادي ومستقر. أنا بس اتعلمت من أختي التوأم حاجة مهمة.. إن الوجع بيفسر التصرفات، بس مش بيدي حد الإذن إنه يبقى قاسي. بنتك قست عليا عشان هي موجوعة، وأنت قسيت عليا عشان خايف.. ومفيش حد فيكم فكر دقيقة أنا حاسة بإيه.
والله بحبك! صوت حازم اتقطع بالدموع.
وأنا كنت بحبك.. بس الحب من غير حماية بيبقى إهانة. أنت مكنتش ضهري يا حازم.. أنت كنت السكينة اللي بنتك بتدبحني بيها وأنت بتقول معلش أصل السكينة زعلانة.
بصيت لمها وقبل ما أتكلم، مها هزت راسها.. كأن فيه لغة سرية بين التوأم ميفهمهاش غيرنا. مها طلعت ورقة وقلم من الشنطة وحطتها على الترابيزة قدامه.
دي ورقة طلاقي يا حازم، قلتها وأنا باصة للورقة. امضي عليها.. وخد بنتك وروحوا اتعالجوا.. عالجوا غياب مروة اللي مأثر فيكم، وعالجوا الغل اللي زرعته في
حازم بص للورقة وكأنه مش مصدق إن لبنى الطيبة هي اللي بتتكلم. مش همضي يا لبنى.. مش هطلقك.
مها دخلت في النص وقالت بابتسامة حاسمة لو مأمضيتش بالذوق يا حازم، المحضر بتاع الضرب والتقرير الطبي هيتحول لقضية جنحة.. وساعتها بنتك مش هتروح للدكتورة النفسية، دي هتروح للأحداث.. اختار.. تمضي وتشتري بنتك ومستقبلها، ولا تعاند وتخسر كل حاجة؟
حازم بص لمها بغل، وبعدين بصلي.. شاف في عيني نفس النظرة الحامية اللي في عين مها. لأول مرة يحس إننا اتنين، مش واحدة ضعيفة بيتداس عليها.
مسك القلم، إيده كانت بترتعش، ومضى.
حط القلم وبصلي ودموعه نازلة أنتي اتغيرتي أوي يا لبنى.. مكنتش فاكرك بالنشوفية دي.
خدت الورقة منه، وابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة راحة أنا متبدلتش يا حازم.. أنا بس رجعت لأصلي.. للتوأم بتاعي اللي علمني إن اللي يمد إيده على كرامتي، لازم أقطعها له.. حتى لو كان أقرب الناس.
حازم مشى، وقفل الباب وراه.. وبقفلته، حسيت إن الهوا دخل صدري لأول مرة من سنة. لفيت لمها، شيلت كيس التلج من على وشها، وبوست الخد الأزرق اللي فداني وفوقني.
شكراً يا مها.
مها ضحكت وغمزتلي بعينها الخضرا على إيه يا بنتي.. إحنا دافنينه سوا.. يالا بينا بقى نعمل مجين قهوة، ونقعد في بلكونتنا.. اللي بجد.
دخلنا المطبخ القديم بتاع بيت أهلنا، المطبخ اللي ريحته خشب وقرفة، مفيهوش صور لحد غريب، ولا كاتل قهوة محطوط جنبه ذنب ماليش دخل فيه. مها كانت بتولع عيون البوتجاز وهي بتغني بصوت واطي، وأنا واقفة بقطع قالب كيكة إسفنجية كانت أمي دايماً تعملها لنا وإحنا صغيرين لما نرجع من المدرسة زعلانين.
الموبايل في الصالة رن تالت ورابع. المرة دي النغمة كانت مختلفة.. دي رنة رسايل الواتساب.
مشيت براحة، مسكت الموبايل، ولقيت رسالة من رقم مكنتش متوقعة أشوفه أبداً.. سلمى.
فتحت الرسالة وأنا إيدي ثابتة، مفيهاش الرعشة بتاعة زمان. سلمى كانت كاتبة
لبنى.. بابا قالي إنكم اتطلقتم. أنا.. أنا مكنتش فاكرة إن الموضوع هيوصل لكده. أنا كنت بس عايزاكي تمشي وتسيبينا في حالنا، مكنتش عايزة أخرب بيت بابا.
بصيت للكلام.. لسه بتلومني. لسه شايفة إن وجودي في الدنيا هو الغلط، وإن قلة أدبها وافترائها رد فعل طبيعي.
مها طلعت من المطبخ وفي إيدها مجين القهوة، شافت الموبايل في إيدي وعيني اللي مركزة فيه. حطت المج على الترابيزة ومدت إيدها هاتي البتاع ده.
لأ يا مها، قلتها وأنا بقفل الشاشة وبحط الموبايل في جيبي. خلاص.. الشاشات دي اتقفلت. سلمى لسه بتدور على شماعة، وحازم هيفضل طول عمره يداري وراها. أنا مش هرد، ولا هعاتب، ولا حتى هعمل بلوك.. السكوت ساعات بيبقى أكبر عقاب، عشان بيسيب اللي قدامك ياكل في نفسه وهو مش عارف أنت بتفكر في إيه.
مها ابتسمت، وهزت راسها بإعجاب أيوا كده.. هي دي لبنى اللي أنا عارفاها. سيبك منهم بقى، واشربي القهوة قبل ما تبرد.
قعدنا في البلكونة، الهوا بتاع المغربية كان بيرد الروح. قعدت أبص للشارع، للناس اللي ماشية في حالها، وحسيت فجأة بوزن تقيل أوي اترمى من فوق كتافي. سنة كاملة وأنا كاتمة نفسي، سنة كاملة وأنا بحاول أرضي ناس قرروا من أول يوم إنهم يكرهوني.
هتعملي إيه في الشغل؟ مها سألتني وهي بتاخد بوق من القهوة.
هرجع الجمعية من بكرة. النبطشيات اللي كنت بزوغ منها عشان ألحق أعمل لحازم وبنته العشا، هاخدها كلها. نفسي أرجع أحس إن ليا قيمة في مكان، إن المجهود اللي بعمله فيه ناس بتقدره وبتقول عليه شكراً.
والقضية؟ مها سألت وعينها صغرت بجدية.
التقرير الطبي والمحضر هيفضلوا شغالين يا مها. حازم مضى على الطلاق عشان يشتري بنته، بس ده حَقِك أنتي.. القلم اللي نزل على وشك مش هيعدي بالساهل. هما لازم يتعلموا إن فيه قانون في البلد دي، وإن البيوت المقفولة مش معناها إنك تعملي جناية وتستخبي ورا كلمة أصل أمي ماتت.
مها ضحكت من قلبها، وطبعت بوسة على الهوا يا سيدي يا سيدي! أنا كده أطمن عليكي وأنا راجعة إسكندرية وأنا مرتاحة.
الأيام مرت، والمحامي بتاعنا مشي في الإجراءات. حازم حاول يكلم بابا ويتحايل عليه عشان نتنازل عن المحضر، بس بابا قاله كلمتين اتنين بنتك مدت إيدها على بنتي.. وإحنا صعايدة يا حازم،
بعد شهرين، كانت الجلسة. سلمى اتحكم عليها بالرقابة القضائية وبخدمة مجتمعية نظراً لسنها، مع غرامة مالية كبيرة وإلزامها بجلسات تأهيل نفسي إجباري. حازم كان واقف في المحكمة وشه
في الأرض، وسلمى كانت بتعيط، بس المرة دي دموع حقيقية.. دموع بني آدم عرف إن الدنيا مش سايبة، وإن مرات الأب مش حيطة مايلة الكل يرمي بلاويه عليها.
وأنا واقفة على باب المحكمة، حازم قرب مني للمرة الأخيرة. بصلي بكسرة وقال خربتي بيتي يا لبنى.. ارتحتي؟
بصيت له بكل برود، وعدلت الشنطة على كتفي بيتك كان مخروب من جوه يا حازم من قبل ما أنا أدخله.. أنت بس كنت مداري الخراب بستاير جديدة، ولما الستاير اتقطعت، الحقيقة بانت. ربنا يعينك على اللي جاي.
لفيت ضهري ومشيت، ومها كانت مستنياني بره، ماسكة في إيدها تذكرتين قطر لإسكندرية.
جاهزة؟ مها سألتني وهي بتضحك.
جاهزة أوي، قلتها وأنا باخد نفس طويل. يلا بينا نبدأ من جديد.. في المكان اللي بجد يستاهلنا.
ركبنا القطر، وأول ما اتحرك وحسيت بالهزة بتاعته على القضبان، حسيت إن قلبي هو كمان بيتحرك من مكانه القديم. كنت باصة من الشباك على الأراضي الخضرا والمباني اللي بتجري ورا بعضها، وكل حاجة كانت بتبعد، كانت بتاخد معاها حتة من لبنى القديمة.. لبنى اللي كانت بتستحمل عشان المركب تسير، لحد ما المركب غرقتها هي.
سرحانة في إيه؟ مها سألتني وهي بتقدم لي حتة شوكولاتة.
بصيت لها وابتسمت مش سرحانة.. أنا أول مرة من سنة أكون مركّزة أوي كده. كنت بفتكر أول يوم دخلت فيه بيت حازم.. كنت شيلاله ورد في إيدي، ومكنتش أعرف إن الورد ده هيدبل على عتبة الباب.
مها طبطبت على رجلي المهم إنك خرجتي وأنتي واقفة على رجليكي يا لولو. البيت اللي مفيش فيه أمان، بيبقى سجن بحيطة مزوقة. والحمد لله إن السجن ده اتهد.
لما وصلنا إسكندرية، الهوا اللي فيه ريحة اليود والبحر دخل صدري غسل كل البواقي. رجعنا لحياتنا، وبدأت النبضات ترجع لقلبي من تاني. رجعت شغلي في الجمعية، وبقيت بنزل النبطشيات ويسهر بالليل، بس المرة دي وأنا بالي مرتاح. مفيش موبايل هيرن يزعقلي