حكاية طالبة جامعية كانت تشعر أن اسمها قديم
في إحدى الجامعات العريقة، وفي ممرات كلية الآداب تحديداً، كانت هناك طالبة متميزة تلفت الأنظار بهدوئها الشديد، ملامحها الرقيقة، وتفوقها الدراسي. لكن خلف هذه الملامح الهادئة كان يسكنها سر وغريب، وخجل دائم من شيء لا يد لها فيه ولا ذنب.. شيء يلازمها منذ ولادتها، وهو "اسمها الحقيقي".
كانت هذه الفتاة ترى أن اسمها القديم يعود لعقود مضت، ولا يتماشى أبداً مع جيل الموضة، والتريندات، والأسماء الحديثة التي تسمعها حولها. كانت تشعر بالحرج الشديد في كل مرة يوضع فيها هاتفها أو كشكولها أمام شخص غريب. لذلك، اتخذت قراراً حاسماً عند عتبة بوابة الجامعة في أول يوم دراسي لها: أن تخلع عنها اسمها القديم وتستبدله باسم رقيق، عصري، وخفيف على الألسنة.. فاختارت لنفسها اسم “فيفي”.
مع مرور الأيام والشهور، أصبح الجميع في الجامعة يعادونها بـ "فيفي". صديقاتها، زملائها، وحتى من تتعامل معهم في الأنشطة الطلابية، كانوا يعتقدون أن هذا هو اسمها الحقيقي الرقيق الذي يشبه رقة ملامحها وطباعها. عاشت الفتاة في هذه الكذبة البيضاء مرتاحة البال، وتنفست الصعداء ظناً منها أنها تخلصت من عقدتها للأبد.. حتى جاء ذلك اليوم المشهود في إحدى أكثر المحاضرات أهمية وحسماً.
دخل الأستاذ الجامعي إلى القاعة، وكان دكتوراً مهيباً، معروفاً بدقته الشديدة، وقوة شخصيته، وعشقه اللامتناهي للغة العربية وعلوم الأدب. كان لا يمرر خطأً، ولا يقبل بالفوضى. جلس الطلاب في مقاعدهم يسودهم الصمت والترقب، وبدأ الأستاذ بفتح كشف الغياب والحضور الرسمي ليتأكد من أسماء الطلاب بنفسه.
بدأ ينادي الأسماء واحداً تلو الآخر، حتى وصل الدور إلى مقعدها. في تلك اللحظة، التفتت زميلة تجلس بجوارها وقالت بصوت مسموع: "يا دكتور، فيفي موجودة هنا".
توقف الأستاذ عن القراءة فجأة.. ساد صمت غريب في القاعة، ونظر الدكتور بتمعن في الكشف الذي أمامه، ثم رفع نظارته ونظر إليها مباشرة بنظرة ثاقبة، وقال بنبرة هادئة ولكنها حازمة:
— “يا ابنتي، أنا أراجع كشف الأسماء الرسمي للجامعة.. وهذا الاسم الذي ذكرته زميلتك غير مدرج عندي على الإطلاق. ما هو اسمك الحقيقي المدون في الأوراق الرسمية؟”
في تلك اللحظة، شعرت الفتاة وكأن الأرض تدور بها. تغيرت ألوان وجهها، وشعرت برغبة عارمة في أن تنشق الأرض وتبتلعها لتخفيها عن أعين زملائها. حاولت التهرب والإجابة بصوت خافت جداً تكاد لا تبين حروفه، متمنية أن يتجاوز الأستاذ الأمر. لكن الدكتور أصرّ برقيّ وأبوة، متفهماً حرجها، فقال أمام الجميع: “يا ابنتي، الاسم هو هوية الإنسان، وعنوان كرامته، ولا يوجد في هذا العالم اسم يدعو للخجل أو التواري”.
حين رأت إصراره، وعلمت أنه لا مفر من كشف الحقيقة، امتدت يدها المرتجفة نحو حقيبتها. بأصابع ترتعش من شدة التوتر والخوف من نظرات زملائها، أمسكت بقلمها وقطعت ورقة صغيرة من دفترها. كتبت عليها اسمها الحقيقي بخط صغير، ثم طوت الورقة بعناية، ومدت يدها لتعطيها للأستاذ.
وفي اللحظة التي استلم فيها الأستاذ الورقة، شاحت بوجهها بعيداً وبسرعة، وأخفت وجهها بين كفيها خجلاً، بينما تسللت دموع حارة من بين عينيها رغماً عنها، وهي تظن أن زملائها سيسخرون من اسم عفا عليه الزمن.
فتح الأستاذ الورقة المطوية ببطء.. وما إن وقعت عيناه على الكلمة الوحيدة المكتوبة في منتصف السطر، حتى اتسعت عيناه ذهولاً، وتجمدت ملامحه تماماً! صمت الأستاذ للحظات طويلة بدت للجميع وكأنها دهر، حتى كاد يُغمى عليه من شدة الدهشة والمفاجأة. لم يكن يتوقع أبداً أن هذا الوجه الجميل يحمل خلفه اسماً بكل هذا الوقار، الهيبة، والتاريخ العريق.
ابتسم الأستاذ ابتسامة فخر واعتزاز ملأت وجهه، ونظر إلى الفتاة الباكية بنظرة تقدير عالية. ثم تحرك بخطوات واثقة نحو السبورة، وأمسك بقطعة الطبشور، وبدأ يكتب بكلمات من ذهب هزت مشاعر وجدران القاعة بأكملها، حيث كتب هذه الأبيات الشعرية الرائعة:
وقف يا زمان ألا تراها قادمة
قمر الزمان أتت إلينا باسمة
تدع الحياة بإثرها مأسورة
وعلى يديها ألف روح هائمة
يا حلوة العينين مالك والغضى
أفلا نظرت إلى عيوني الحالمة
شرف الزمان بأن حواك وإنه
يكفيك فخراً أن اسمكِ (فاطمة)
بمجرد أن انتهى الأستاذ من كتابة البيت الأخير ونطق باسم (فاطمة) بصوت جهوري، ضجت قاعة المحاضرات بأكملها بالتصفيق الحار والإعجاب الشديد من جميع الطلاب والزملاء.
في تلك اللحظة، رفعت "فاطمة" رأسها ببطء، ومسحت دموعها وهي تكاد لا تصدق ما يحدث حولها. نظرت إلى السبورة، ونظرت إلى ملامح الفخر في عيون أستاذها وزملائها، وشعرت لأول مرة في حياتها أن اسمها ليس مجرد حروف قديمة، بل هو تاج مرصع بالجمال، الشرف، والوقار عبر العصور، وأنها تحمل اسماً تفخر به الدنيا.