ديون لا ترد
الشهاوي للسوق من جديد، كانت شركته الصغيرة كبرت أسرع مما أي حد توقع. الناس اللي زمان كانت بتخاف تتعامل معاه بسبب الشائعات، بقت هي نفسها بتدور عليه عشان توقع عقود معاه. لكن مصطفى اتغير... بقى أهدى، وأقل كلام، ومبقاش يثق بسهولة في أي حد مهما كانت مكانته. كان دايمًا يقول الضربة اللي متكسركش... بتعلمك تبص حواليك كويس.
وفي صباح يوم شتوي هادي، كان قاعد في مكتبه الجديد، مكتب بسيط جدًا مقارنة بالقصور الإدارية اللي كان بيملكها زمان، لما سكرتيرته دخلت عليه وقالت في شاب برة يا فندم، بيقول إنه لازم يقابلك ضروري.
مصطفى وافق يدخله.
دخل شاب في أوائل الثلاثينات، هدومه نضيفة لكن باين عليه التعب، وعينيه مليانة قلق. وقف قدامه وقال أنا اسمي محمود الهواري.
أول ما سمع اسم الهواري، وش مصطفى اتغير. الهواري... نفس اسم مدحت.
الشاب نزل عينه للأرض وقال أنا ابن أخو مدحت.
ساد الصمت في المكتب. مصطفى سند ضهره على الكرسي وبصله من غير ما ينطق.
محمود كمل بصوت مكسور أنا عارف إن حضرتك ممكن تطردني دلوقتي... ويمكن معاك حق. بس أنا جيت عشان أقول حاجة واحدة.
اتفضل.
أنا مليش ذنب في
مصطفى فضل ساكت.
ومن يوم القضية ما ظهرت، الناس كلها بقت تبص لنا على إننا عيلة حرامية. أبويا مات من القهر، وأمي بقت مريضة، وأنا اتفصلت من شغلي مرتين لمجرد إن اسمي الهواري.
كانت الكلمات طالعة من قلبه. مش تمثيل. مش استجداء. وجع حقيقي.
وأهو أنا واقف قدامك النهاردة... لا بطلب فلوس ولا مساعدة... بطلب فرصة.
مصطفى افتكر نفسه. افتكر لما كان بيمشي والناس بتبصله على إنه نصاب ومجرم وهو بريء. افتكر نظرات الاحتقار. افتكر الوحدة. وساعتها قال إنت خريج إيه؟
محمود رفع راسه بسرعة هندسة مدنية.
اشتغلت قبل كده؟
أربع سنين.
مصطفى ضغط على الجرس. دخلت السكرتيرة. قال لها اعمليله عقد تدريب من النهاردة.
محمود اتجمد مكانه بجد؟
مصطفى ابتسم لأول مرة أنا بعاقب المذنب... مش ولاده.
انفجر محمود في البكاء. وبعد شهور قليلة أثبت الشاب إنه يستحق الثقة. كان أول واحد يدخل الموقع وآخر واحد يخرج. لدرجة إن مصطفى بدأ يعتمد عليه في ملفات مهمة.
لكن في يوم من الأيام حصل شيء محدش كان متوقعه. ياسمين بنت ستوتة كانت راجعة من اجتماع مهم في القاهرة الجديدة، وفجأة فرامل عربية نقل
لكن محمود لمح الموقف وهو خارج من موقع قريب. من غير تفكير جرى بعربيته ولف قدام عربية ياسمين. الصدام كان عنيف جدًا. الحديد اتكسر. الزجاج اتناثر. والناس اتلمت تصرخ.
ياسمين خرجت بإصابات بسيطة. أما محمود... فاتنقل المستشفى بين الحياة والموت.
لما مصطفى وصل وشافه على سرير العناية المركزة، وقف قدامه وسرح في وشه. ابن عيلة الراجل اللي دمر عمره... هو نفسه اللي خاطر بحياته عشان ينقذ بنت الست اللي أنقذته من الضياع.
لحظتها فهم حاجة غريبة؛ إن الخير والشر مش بيتورثوا. كل إنسان بيتحاسب على أفعاله هو.
قعد مصطفى جنب محمود طول الليل. وأول ما فاق الشاب بعد أيام من الغيبوبة، لقى مصطفى ماسك إيده.
قال محمود بصوت ضعيف ياسمين كويسة؟
ابتسم مصطفى كويسة.
أغمض محمود عينيه وهو مرتاح.
بعد الحادثة دي، العلاقة بين العيلتين اتغيرت تمامًا. ستوتة بقت تعتبر محمود ابنها. وياسمين بدأت تشوف فيه إنسان مختلف عن أي حد قابلته قبل كده. إنسان عرف قيمة الشرف والتعب بعد ما دفع تمن أخطاء غيره. ومع مرور الوقت،
وفي يوم من الأيام، دخل محمود مكتب مصطفى وهو متوتر ممكن أطلب منك طلب؟
مصطفى ضحك لو قرض مرفوض.
ابتسم محمود وقال أنا عايز أتجوز ياسمين.
سكت مصطفى ثواني، وبعدين انفجر ضاحكًا يا راجل! ده أنا مستني الطلب ده من شهور.
وفي ليلة الخطوبة، كانت ستوتة قاعدة تبكي من الفرحة. مش قادرة تستوعب إن البنت اللي كانت نايمة جنب عربية الأكل في الشارع، بقت مهندسة ناجحة وخطبتها معمولة في أكبر قاعة في المحافظة.
أما مصطفى، فكان واقف بعيد يراقب كل حاجة. وفجأة افتكر الورقة القديمة. الورقة اللي كتب فيها زمان الأكل كان يساوي أكتر من كده بكتير... وده باقي الحساب.
ابتسم وهو يهز رأسه، لأن الحساب فعلًا لسه مخلصش. كل مرة كان يعمل خير فيها، كان ربنا بيرجعهوله في صورة أجمل من اللي يتخيلها.
وكان لسه القدر مخبي له مفاجآت أكبر بكتير... مفاجآت هتبدأ يوم ما ظهر شخص غريب قدام باب الشركة يحمل ظرفًا أصفر قديمًا، وقال جملة واحدة قلبت حياة الجميع من جديد أنا معايا أمانة تخص والد مصطفى الشهاوي.