رسائل خفية خلف الزجاج

لمحة نيوز

وقبل أن يستوعب ياسين الصدمة أو ينطق بكلمة واحدة، انفتح باب المقهى بعنف، ودخل الرجل صاحب المعطف الأسود بخطوات ثقيلة وباردة. تخطى الجميع وتوجه مباشرة نحو الطاولة المجاورة لطاولة مريم، جلس بهدوء مرعب، ونظر إلى ياسين بعينين خاليتين من الرحمة، ثم طلب بصوت أجش وبارد كأنه يأتي من القبر أحضر لي ثلاث قهوات... مثلها تمامًا ومتتالية. التفتت مريم إلى ياسين الذي شحب وجهه تمامًا، وقالت له بنبرة تحمل مزيجًا من الرعب واليقين الآن فقط عرفت يا ياسين لماذا كنت تشعر دائمًا بدافع خفي يحثك على حمايتي ومراقبتي، فالسر الخطير بدأ من أخيك قبل أن ينتهي بأختي، ونحن الآن واقفون في مواجهة نفس القاتل.

ابتلع ياسين ريقه بصعوبة، وشعر بثقل في قدميه كأنهما غُرستا في الأرض. الرجل ذو المعطف الأسود يجلس على بُعد خطوتين فقط، يخلع قفازه الجلدي ببطء شديد، وعيناه المثبتتان على ياسين تحملان تهديدًا صامتًا ومخيفًا. كان المقهى يدور من حولهما، وصوت ضحكات الزبائن الآخرين وحركتهم تلاشت تمامًا في أذن ياسين، ليعوضها صوت نبضات قلبه التي كادت تسمع من فرط سرعتها.

نظر ياسين إلى مريم، فرأى الرعب الشديد يشل حركتها، لكن نظرتها له كانت تستغيث وتطالبه بألا يستسلم. تذكر ياسين

أخاه الأكبر، تذكر اللوع والدموع التي سكبها والداه طوال عام كامل بحثًا عن أي أثر له، وتذكر كيف كانت الشرطة عاجزة عن حل لغز اختفائه. الآن، أصبح الخيط كله بين يديه، والقاتل أو المفتاح يقبع أمامه مباشرة، يطلب ثلاث فناجين من القهوة ليُعلن بدء اللعبة المميّتة.

تحرك ياسين بآلية نحو آلة إعداد القهوة، كانت يداه ترتجفان وهو يضع البن في الكنزات النحاسية، لكن عقله كان يعمل بأقصى سرعته. أدرك أن الخروج من المقهى أو الصراخ لن يحل المشكلة، بل قد يعجل بنهايته ونهاية مريم، فالرجل يبدو واثقًا من نفسه ومسلحًا على الأرجح. وفي غمرة خوفه، تذكر تفصيلًا صغيرًا كان أخوه قد أخبره به قبل اختفائه بأيام، حين قال له: "لو احتجتني يوماً ولم تجدني، تذكر أن عمك منصور في قسم الشرطة لديه صندوق مغلق يحمل اسمي، لا تفتحه إلا إذا اكتملت الأركان". لم يكن ياسين يفهم معنى "الأركان" وقتها، لكنه الآن فهم؛ الأركان هي الفناجين الثلاثة، مريم، وهو، والقاتل.

وضع ياسين الفناجين الثلاثة على الصينية، وسار بخطوات متزنة تصطنع الهدوء نحو طاولة الرجل الغريب. وضع الفنجان الأول، ثم الثاني، وعندما وضع الفنجان الثالث، انحنى قليلًا وقال بصوت منخفض ومستقر عكس ما بداخله: "القهوة جاهزة

يا سيدي... أتمنى أن تكون مضبوطة كالمعتاد".

رفع الرجل رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وباردة، وقال بصوت فحيح كالأفعى: "أنت تشبه أخاك كثيرًا... كان ذكيًا أيضًا، لكن الذكاء الزائد أحيانًا يؤدي إلى الاختفاء". تملكت ياسين رغبة عارمة في الانقضاض عليه، لكنه تمسك بأعصابه، ونظر إلى الرجل قائلًا: "أخي لم يختفِ، أخي ترك لي أمانة، وأعتقد أن الوقت قد حان لفتحها".

تغيرت ملامح الرجل وضاقت عيناه بشك، وفي تلك اللحظة بالذات، استغلت مريم انشغال الرجل بالحديث مع ياسين، وأخرجت هاتفها المحمول من تحت الطاولة وبحركة سريعة ومخفية أرسلت رسالة نصية قصيرة كانت قد جهزتها مسبقًا برقم لوحة السيارة التي كان الرجل يصفها بالخارج، والتي استطاعت التقاطها قبل دخوله.

فجأة، وقبل أن يقوم الرجل بأي حركة، تناهى إلى مسامع الجميع صوت سرينة سيارات الشرطة وهي تقترب بسرعة جنونية من المقهى. لم تكن هذه مصادفة؛ بل كان ياسين، قبل أن يقدم القهوة للرجل، قد همس لصاحب المقهى (المعلم صابر) وهو يرتجف: "اتصل بالشرطة فورًا وقُل إن هناك مسلحًا يهدد الزبائن"، مستغلًا مكانته وحب المعلم صابر له.

ارتبك الرجل ذو المعطف الأسود وحاول الوقوف بسرعة للهروب، لكن ياسين، مدفوعًا

بكل غضب وحزن العام الماضي، ألقى بالصينية النحاسية الثقيلة في وجه الرجل، مما أفقده توازنه لثوانٍ. وفي لمح البصر، اندفع ياسين وجسده بالكامل فوق الرجل يثبته على الأرض، بينما صرخت مريم تطلب المساعدة من بقية زبائن المقهى الذين هبوا للمساعدة بعد أن أدركوا خطورة الموقف.

خلال دقيقة واحدة، اقتحم رجال الشرطة المقهى، وتمت السيطرة على الرجل وتكبيله بالكلابشات. تبين بعد التحقيقات المكثفة أن هذا الرجل كان عضوًا في شبكة خطيرة لتهريب الآثار، وكان أخو ياسين وأخت مريم قد كشفا تفاصيل عملية كبرى وتوصلا إلى أدلة تدين هذه الشبكة، مما أدى إلى تصفيتهما واختفائهما. لكن الأمانة التي تركها أخو ياسين في صندوق قسم الشرطة، والتي تضمنت تسجيلات ومستندات دامغة، اكتملت أركانها بفضل شجاعة مريم وياسين وفناجين القهوة الثلاثة.

انتهى الكابوس الذي عاشت فيه مريم لشهور، وظهرت حقيقة اختفاء شقيق ياسين ليعود جثمانه ويكرم بدفنه. وبعد تلك الليلة الحابسة للأنفاس، لم تعد مريم تجلس وحيدة تطلب القهوة ولا تشربها، بل أصبحت تجلس مع ياسين على نفس الطاولة بجانب النافذة، يتشاركان فنجانًا واحدًا من القهوة، يبتسمان معًا للمستقبل، بعد أن تحول فنجان الخوف الثالث إلى فنجان للنجاة

وبداية لحياة جديدة.

تم نسخ الرابط