طلقة واحدة بقلم: أماني سيد
المحتويات
البيت بليل، الدنيا ضلمة، مفيش صوت ضحكة بنتي وهي بتجري تستقبلني، ولا صوت سمر وهي بتقول حمد لله على سلامتك يا حبيبي، الأكل جاهز.
قعدت في وسط الصالة المكركبة، وطلعت تليفوني. دخلت على صفحتها على فيسبوك، لقيتها منزلة صورة لبنتي وهي بتضحك وكاتبة بداية جديدة.. والحمد لله على نعمة الأهل اللي بيسندوا بجد.
النغزة اللي في قلبي زادت.. هي بدأت بداية جديدة وأنا واقف مكاني في الخراب اللي عملته بإيدي. إخواتي اللي شجعوني، قافلين بيوتهم عليهم وعايشين حياتهم، وأمي كل ما أشتكي لها تقولي اصبر بكرة تتعود، بس أنا مش عايز أتعود.. أنا بدأت أحس إني كنت ملك في مملكة، ودلوقتي أنا مجرد واحد وحيد في بيت مهجور.
مسكت التليفون وأنا قاعد وسط كومة الهدوم والمواعين، والبيت ريحته بقت تخنق، كنت محتاج حد يشيل معايا الشيلة دي.. مش هما اللي زغرتوا؟ مش هما اللي قالوا ألف مبروك؟ يبقى هما اللي يحلوا.
رنيت على عبير أختي الأول، وصوتي كان مخنوق
عبير.. أنا مش عارف أعيش في البيت ده، سمر قفلت كل السكك، والبنت وحشتني، والشقة بقت خرابة.. انزلي معايا بكرة نروح لأهلها نصالحهم ونرجعها، أنتي عارفة إن الكلمة منك بتفرق.
جالي صوت عبير وهي بتمضغ لبان وببرود تام قالت
يا
قفلت السكة وأنا مذهول! رنيت على نجلاء وأنا كلي غل
نجلاء، أختك بتقولي اتصرف لوحدك، تعالي أنتي معايا بكرة، أنتي كنتي بتقولي إن سمر مش كويسة، تعالي قولي لأهلها إننا عايزين نفتح صفحة جديدة عشان خاطر البنت.
ردت نجلاء بنبرة حادة
أنا يا جاسر؟ أنا مالي ومال المشاكل دي؟ أنا يدوبك ملاحقة على بيتي وعيالي، وبعدين يا أخويا أنت اللي عملت فيها سي السيد وطلقت قدامنا كلنا، دلوقتي جاي تقولنا تعالوا صالحوا؟ عيب في حقك كراجل.. اتصرف يا جاسر، البيت بيتك وأنت أدري بيه.
الدنيا اسودت في عيني، رنيت على أمي وأنا بصرخ في التليفون
يا أمي.. إخواتي بيتبروا مني! هما اللي خلوني أعمل كده، هما اللي زغرتوا وفرحوا، ودلوقتي سايبيني غرقان!
أمي ردت بصوت هادي وفيه لؤم غريب
يا ابني إحنا فرحنا لفرحك، كنت فاكرينك مرتاح كده.. دلوقتي لما الدنيا باظت في إيدك جاي تلومنا؟ يا حبيبي أنت راجل
رميت التليفون في الحيطة وكنت عايز أكسر كل حاجة حواليا.. البيت اللي كنت فاكر إني ملكه، طلع سجن. والناس اللي كنت فاكرهم سندي، طلعوا مجرد جمهور اتفرجوا على الحريقة وصقفوا، ولما النار بدأت تأكل فيا، كل واحد فيهم لف ضهره ومشي.
بقيت لوحدي.. مفيش غير صدى صوت زغاريدهم اللي لسه بيرن في ودني، بس المرة دي الزغاريد كانت طالعة ب سخرية، كأنهم بيضحكوا عليا مش ليا.
قررت إني لازم أتصرف، كلام أهلي اتصرف وظبط أمورك كان زي الكرباج بيجلد فيا. نزلت اشتريت أغلى طقم ذهب لقيته في المحل، قولت في بالي الحريم عقلها صغير والذهب بيزغلل العين، وأكيد سمر هتشوفه وتنسى كل اللي فات.
رحت لبيت حمايا وأنا راسم على وشي ابتسامة الثقة، خبطت وفتح لي أبوها. ملامحه كانت جامدة زي الصخر، بص لي من فوق لتحت وقال ببرود
عايز إيه يا جاسر؟
عايز مراتي وبنتي يا عمي.. ومعايا هدية لسمر عشان أصالحها ونقفل الصفحة دي.
طلعت علبة الذهب وفتحتها قدامه، كان لمعانها مالي المكان، وقلت
أظن ده كفاية يخليها تعرف
أبوها بص للذهب بنظرة سخرية وجع كأنني أهنته، وزق إيدي بالراحة وهو بيقول بصوت يهز البيت
أنت فاكر إن بنتي رخيصة للدرجة دي؟ فاكر إن الكسر اللي كسرته لقلبها وكرامتها قدام المأذون والشارع كله يتداوى بحتة حديدة صفراء؟
في اللحظة دي سمر خرجت، كانت لابسة لبس خروج شيك وماسكة شنطتها، ملامحها كانت متغيرة، فيها قوة غريبة عمري ما شفتها. بصت للذهب وبعدين بصت لي وقالت بكلمتين بس
وفّر فلوسك يا جاسر.. اللي انكسر مبيتصلحش، والزغاريد اللي أهلك عملوها كانت حفلة وداعنا الأخيرة. الذهب ده خليه للي هتيجي بعدي، يمكن ترضى بالذل اللي أنا رفضته.
اتصدمت ورديت بغضب
يعني إيه؟ أنتي بايعة كل حاجة عشان خاطر كلمة؟
أبوها تدخل ووقف بيني وبينها وقال بحزم
اسمع يا جاسر، الكلمة دي خلصت كل حاجة. أنت مالكش بنات عندنا، وسمر خلاص مابقتش تخصك. الروابط اللي كانت بينا اتقطعت يوم ما اخترت تكسرها قدام الكل. اللي ليك عندنا هي بنتك بس، وده حقها وحقك.. لكن من هنا ورايح، لو عايز تشوفها، تتصل وتحدد معايا ميعاد الزيارة قبل ما تيجي ب 24 ساعة، وتشوفها في مكان عام أو هنا في الصالة قدام عيني.
يا عمي دي مراتي!
كانت.
متابعة القراءة