الوعد واليقين
المحتويات
صباحات كنت أستيقظ فيها ولساني ثقيل، ولا أعرف هل كنت أحلم أم كنت أبكي فعلًا. تذكرت رسائل كتبتها لزهراء، ووضعتها داخل ظروف بيضاء، وسلّمتها للاستقبال، وكنت أضع داخل كل ظرف دعاء صغيرًا وأقول لعلها تصل.. لم تصل أبدًا.
فتحت زهراء كيسًا قماشيًا، وأخرجت منه مجموعة ظروف قديمة وقالت
وجدتها في درج المديرة يا جدتي، مرمية كأنها لا قيمة لها.
كانت رسائلي هناك.. مجعّدة.. غير مفتوحة.. بخط يدي المرتجف، وأنا أسأل عن أخبارها، وأعدّ الأيام، وأقول لها إنني ما زلت أنتظرها.
بدأت أم سعدية تبكي بصمت. طلبت موظفة الرعاية الاجتماعية سجلات الأدوية، والزيارات، والمكالمات. حاولت المديرة أن تقول إن النظام لا يعمل، فابتسم المحامي حيدر ابتسامة بلا فرح وقال
إذن سننتظر الشرطة.
اقتربت ابنتي من زهراء، وحاولت أن تخطف الرسائل من يدها، لكن حفيدتي لم تتحرك وقالت بصرامة
لا تلمسي شيئًا يخصها مرة أخرى.
كنت أعرف تلك النبرة، كانت النبرة نفسها التي كانت ابنتي تستخدمها قديمًا حين تدافع عن زهراء وهي صغيرة من بنات يضايقنها في المدرسة. آلمني أن أفهم أن ابنتي كانت تعرف كيف تحمي من تحب، لكنها توقفت عن حمايتي أنا.
نظرت إليها وقلت
قولي لي الحقيقة.. هل أدخلتِني هنا من أجل المال؟
وضعت ابنتي يدها على شعرها بعصبية وقالت
أدخلتك
قلت
كنت أمشي، وأطبخ، وأسقي نباتاتي.
قالت بنفاد صبر
وكنتِ تحاكمينني بعينيكِ كأنكِ شهيدة.
جرحتني الجملة، ربما لأن جزءًا منها كان صحيحًا، ربما كانت عيني تذكرها بما لا تريد رؤيته، لكن لا توجد نظرة في العالم تبرر أن تتركي أمك وحيدة خلف باب دار للمسنين.
وقفت زهراء أمامي كأنها درع وقالت
أمي باعت أثاثك، وأجّرت بيتك، واستخدمت معاشك، وقالت لي إنك بدأتِ تفقدين ذاكرتك حتى لا أصدقك.
صرخت ابنتي بأنها فعلت ذلك بسبب الحاجة، قالت إن الديون خنقتها، وإن لا أحد يعرف ضغط أن تبقى مسؤولة عن بيت وعائلة.
تذكرت أنا السنوات التي حملت فيها بيتي وحدي، تذكرت كيف كنت أبيع المعجنات صباحًا، وأغسل ملابس الناس مساءً حتى تتشقق أصابعي. أنا أيضًا عرفت الديون، وعرفت الخوف، وعرفت الرغبة في الهرب، لكنني لم أترك ابنتي يومًا في استقبال مكان تفوح منه رائحة المعقمات كي أخرج أخفّ من حملها.
وصلت الشرطة بعد عشرين دقيقة. تغير لون وجه المديرة عندما طلبوا منها فتح المكتب وتسليم الملفات. لم أكن أفهم كل المصطلحات التي تقال، لكنني عرفت اسمي فوق أوراق كثيرة لم توقعها يدي؛ كانت هناك موافقات بتوقيع يشبه توقيعي، وأوراق تصفني بأنني مشوشة، عصبية، وغير قادرة على الاعتماد على نفسي.
همست
أنا لست
ضغطت زهراء على كتفي وقالت
أعرف يا جدتي.
عندها دخل ممرض شاب يحمل صندوق ملفات، وعيناه ممتلئتان بالخجل وقال
احتفظت بنسخ لأنني لم أشعر أن ما يحدث صحيح.
صرخت المديرة في وجهه ووصفته بالخائن، فأنزل عينيه وقال
الخيانة هي أن تخبئوا رسائل امرأة كانت تنام وهي تحتضن التقويم.
مزّقتني تلك الجملة من الداخل، ليس لأنني خجلت أن يعرف أحد وجعي، بل لأن أحدًا رآه فعلًا، ولم يكن ما شعرت به مجرد وهم في رأسي.
جلست ابنتي على كرسي قريب كأن قوتها نفدت فجأة، وللمرة الأولى طوال عام كامل، بدت أمامي مثل تلك الطفلة الخائفة التي حملتها ذات ليلة عاصفة عندما انقطع الكهرباء عن بيتنا القديم، وقالت بصوت ضعيف
أمي.. كنت سأصلح كل شيء.
سألتها
متى يا ابنتي؟
لم تجب، لكن زهراء أجابت بدلًا عنها
عندما يصبح البيت باسمك.. لأنني وجدت موعدًا عند الكاتب العدل أيضًا.
أغمضت ابنتي عينيها، وكان صمتها اعترافًا أكبر من أي ورقة. شرح المحامي حيدر أن ابنتي حاولت تجهيز معاملة تنازل عن البيت، مستخدمة تقريرًا طبيًا مشكوكًا فيه لإثبات أنني غير قادرة على اتخاذ القرار.
نظرت إلى يديّ، كأنني أبحث فيهما عن البيت الذي بنيته أنا وزوجي الراحل سنة بعد سنة؛ مطبخ البلاط الأخضر، الحوش الصغير، شجرة الياسمين قرب الباب، والغرفة التي
هذا البيت كان لزهراء.
فتحت ابنتي عينيها بصدمة وقالت
ماذا؟
قلت
أنا وأبوها كنا نريده لها. أنتِ لديكِ حياتك ومكانك، وهي كانت الوحيدة التي لم تتركني.
نهضت ابنتي كأنني أهنتها وقالت بمرارة قديمة
أرأيتِ؟ كنتِ دائمًا تحبينها أكثر مني.
خرجت الجملة عفنة من داخل سنوات طويلة، وفهمت حينها أن ابنتي لم تتركني من أجل المال فقط؛ كانت تعاقبني على حب لم تعرف كيف تستقبله، رغم أنني أعطيته لها كاملًا.
بكت زهراء وقالت لأمها
جدتي ربّتني لأنكِ كنتِ تعملين، وتخرجين، وتغيبين أيامًا، ثم تعودين غاضبة من الجميع.
حاولت ابنتي الرد، لكن صوتها انكسر وقالت
وأنا أيضًا كنت وحيدة.
نظرت إليها بحزن واسع وقلت
نعم يا ابنتي.. لكن وحدتك لم تكن تعطيك الحق أن تتركيني وحيدة أنا.
سألتني موظفة الرعاية الاجتماعية إن كنت أريد الخروج في ذلك اليوم نفسه. نظرت إلى الممر، إلى الجدران الباهتة، إلى الكراسي الغائرة، إلى الساعة المتوقفة منذ أشهر، ونظرت إلى أم سعدية، التي كانت تتظاهر بتعديل شالها حتى لا يظهر الرجاء في عينيها وقلت
نعم، أريد الخروج، لكن قبل ذلك أريد أن تراجعوا ملفات كل من
احتجّت المديرة، فالتفتت إليها زهراء وقالت
متابعة القراءة